1
فصل في الاجتهاد و التقليد
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
اللهم وفقنى لما تحب و ترضى.
(مسألة 1) يجب على كل مكلف فى عباداته و معاملاته ان يكون مجتهداً او
مقلداً او محتاطاً.(1)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هذا الوجوب التخييرى فطرى فان فطرة كل ذى شعور حاكمة على
وجوب دفع الضرر المحتمل، حيث ان فى ترك الثلاثة احتمالا لضرر العقاب، فإنا
نعلم بأنا لسنا مثل الحيوانات لم نكن مكلفين بالواجبات و المحرمات بل نحن
مكلفون بها فإذا علمنا بذلك تحكم فطرتنا بدفع العقاب و طريقه منحصر بالثلاثة.
و العقل ايضاً يحكم بوجوب شكر المنعم و هو لا يحصل الا باطاعته و هى
منحصرة بالثلاثه على التخيير.
و لكنه يكمن ان يقال: إن ترك شكر المنعم، يمكن أن يوجب ترك الانعام و لا
يستلزم استحقاق العقاب; فالعمدة فى المقام هو حكم العقل بوجوب دفع الضرر
المحتمل، و هو لا يحصل إلاّ باطاعة المولى و ترك عصيانه و هو يتوقف على
الثلاثة بنحو التخيير; هذا فيما إذا علم اجمالا بالاحكام فى الشريعة المقدسة.
2
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
و اما إذا إنحل العلم الاجمالى بالظفر بالمقدار المعتد به من الأحكام، فالامر
بالاجتهاد او الاحتياط او تعلم المسائل، يكون طريقياً إلى تنجــز الاحكام فلو كان
الحكم الواقعى موجوداً، يكون منجزاً، فلا يجوز للمجتهد الرجوع إلى اصل
البرائة إلاّ بعد الفحص و عدم وجدان الدليل على المشكوك.
ثم ان بعض المعلقين على العروة الحق بالعبادات و المعاملات المستحبات و
المكروهات و المباحات و بعض الآخر العاديات ايضاً.
و هذا لاوجه له فإن هذه الأمور يجوز تركها و فعلها، فكيف يكون التقليد واجباً
فيها، و اما وجوب الاجتهاد او التقليد او الاحتياط فى الواجبات و المحرمات،
فواضح، فإنه مع عدم الثلاثة يبتلى المكلف اما بفعل الحرام او ترك الواجب.
و امّا فى المعاملات، فلاجل عدم الابتلاء بأكل المال بالباطل، و حيث انه حرام
فمآله الى ارتكاب الحرام.
ثم ان الاجتهاد عرّف باستفراغ الوسع والطاقة لتحصيل الظن بالحكم الشرعى
-كما فى كلمات جملة من الاعلام- والاصل فيه هو اهل السنة، و تبعهم غير واحد
من اصحابنا.
و لكنه لا يتم على مسلك أصحابنا القائلين بانفتاح باب العلم و العلمى
بالاحكام، فان الاجتهاد عندهم عبارة عن بذل الجهد او استفراغ الوسع لتحصيل
الحجة على الحكم الشرعى، فان البحث عن حجية خبر الواحد و ظواهر الكتاب و
الاجماع المنقول المحفوف بالقرينة و الاجماع العملى المعبّر عنه بالسيرة من
المتشرعة و الاصول العملية و التعادل و الترجيح و غيرها داخل فى استفراغ
الوسع و بذل الجهد.
3
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نعم عند القائل بانسداد باب العلم و العلمى بالاحكام كالمحقق القمى((قدس سره)) لا
يبعد صحة التعريف السابق و لكن التحقيق يقتضى عدم صحة التعريف المذكور
حتى على القول بالانسداد لما حققنا فى محله من أن نتيجة مقدمات دليل الانسداد
على القول بتماميتها هو التبعيض فى الاحتياط لا حجية الظن المطلق.
ثم انه بناءً على ما اخترناه من التعريف، يصبح النزاع بين الاصولى القائل
بمشروعية الاجتهاد و الاخبارى القائل بعدم مشروعيته، لفظياً، فان الاصولى قائل
بمشروعيته بمعنى تحصيل الحجة على الحكم الشرعى، و الاخبارى المنكر لها
ينكره بمعنى تحصيل الظن بالحكم الشرعى، و اما العالم الذى يبذل الجهد
لتحصيل الحجة على الحكم الشرعى، فهو مورد لقبولهم و إن لم يسمّوه مجتهداً.
ثم إن الاجتهاد له اركان ثلاثة: احدها العلوم العربية، و العمدة فيها هو الصرف
و النحو فلابد من تسلطه عليهما حتّى يميز بين الفاعل و المفعول و المبتداء و
الخبر و الحال و التميز و... يعرف الماضى و المضارع و الأمر و النهى و جميع
الصيغ من كل باب كالثلاثى و الرّباعى و المجرد و المزيد فيه و غيرها، و إلا فلا
يعرف معنى الكتاب و السنة و آراء الفقهأ حيث ان كلها بلغة العربية.
ثانيها علم الرّجال على مبنى مجموعة من الفقهاء و هم القائلون بأن عمل
الأصحاب بالرّواية لا يكون جابراً لضعفها سنداً و لا دلالة، و كذلك اعراضهم عنها
لا يكون كاسراً لسندها حتى تخرج الرواية التى كانت رواتها ثقات عن الاعتبار.
و امّا على ما ذهب إليه معظم الأصحاب من ان عمل المشايخ جابر لضعف
السند و اعراضهم كاسر له، فلا حاجة كثيرة إلى علم الرجال.
قال المحقق الهمدانى ((قدس سره)): ( ليس المدارعندنا فى جوازالعمل بالرواية
4
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على اتصافها بالصحة المطلوبة، و الا فلا يكاديوجد خبر يمكننااثبات عدالة
رواتها على سبيل التحقيق لولا البناء على المسامحة فى طريقها والعمل بظنون
غيرثابت الحجية، بل المدار على وثاقة الراوى اوالوثوق بصدور الّرواية و ان كان
بواسطة القرائن الخارجية التى عمدتها كونها مدونة فى الكتب الاربعة او المأخوذة
من الاصول المعتبرة مع اعتناء الاصحاب بها و عدم اعراضهم عنها(الى ان قال):
ولاجل ماتقدمت الاشارة اليه جرت سيرتى على ترك الفحص عن حالهم) انتهى
فعلى هذا المعنى يكون اللازم معرفة الرواية هل هى معمول بها عند الاصحاب
لتكون حجة او معرض عنها، لتكون ساقطة عن الاعتبار، فعليه لا تمس الحاجة الى
علم الرجال الاّ فى بعض الموارد كما إذا لم يظهر لنا عمل الاصحاب على طبق
الرواية او اعراضهم عنها.
قلت: العبرة بأحد الامرين إما وثاقة الروات الواقعة فى السند مع عدم اعراض
الاصحاب عن الرواية، و أما الوثوق بالصدور و لو كان المنشأ فيه عمل الاصحاب،
فلابد من ملاحظة الموارد لكى يعرف أن الوثوق بوثاقة الروات فى اى مورد
يحصل و الوثوق بالصّدور كذلك، فالحاجة الى علم الرجال إنما هى لمعرفة حال
الروات، فان المسائل التى لم يعرف فيها، عمل الاصحاب او كانت الآراء فيها
مختلفة، لابد فيها من التوجه الى المدرك و هو فى الغالب ليس إلاّ الأخبار
ثالثها علم الاصول و هو العمدة فى حصول الاجتهاد، و هو عبارة عن العلم
بالقواعد الّتى يمكن أن تقع فى طريق الاستنباط كحجية خبر الواحد و ظواهر
الكتاب و السنة و الاجماع المنقول و الشهرة الفتوائية المنضمة الى الرواية و
الاستصحاب و اصالة الاشتغال و البرائة و التخيير و الظن المطلق عند الانسدادىو
5
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الخبر الراجح عند المعارضة و قاعدة الملازمة بين وجوب الشىء و وجوب
مقدماته أو وجوب الشىء و حرمة ضده و مثل الملازمة بين انتفاء الشرط و انتفاء
الجزاء و مثل ظهور الامر فى الوجوب و النهى فى الحرمة و حجية العام بعد
التخصيص فى الباقى و حمل المطلق على المقيد أو على افضل الافراد و نحو
ذلك.
ثم ان الاجتهاد له احكام ثلاثة: الاول عدم جواز رجوعه إلى الغير و التقليد له
فإن ما يستنبط منه الغير للحكم الشرعى باختياره فهو قادر على الاستنباط، و
الرجوع الى الغير هو وظيفة الجاهل، و هو ليس بجاهل حتى يرجع الى الغير.
الثانى جواز رجوع الغير إليه، فانه عالم بالاحكام الشرعية، فمن لم يكن
كذلك، يجوز له الرجوع اليه كما جرت عليه السيرة من المتشرعة و العقلاء.
الثالث جواز الافتاء و القضاء و التصدى للامور الحسبية له، و تدل على ذلك
عدة من النصوص :
منها مقبولة عمربن حنظلة قال : سألت أبا عبدالله عليه السلام عن رجلين من
أصحابنا بينهما منازعة فى دين أو ميراث فتحاكما الى السلطان و الى القضاة أيحل
ذلك؟ قال: من تحاكم اليهم فى حق أو باطل، فإنما تحاكم الى الطاغوت، و ما
يحكم له فإنما يأخذ سحتاً و إن كان حقاً ثابتاً له، لانه أخذه بحكم الطاغوت و ما
أمر الله أن يكفر به، قال الله تبارك و تعالى : ( يريدون أن يتحاكموا الى الطاغوت ،
وقدأمروا أن يكفرو به )
قلت : فكيف يصنعان ؟ قال : ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر
فى حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً، فانى قد جعلته عليكم
6
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حاكماً فاذاحكم بحكمنا، فلم يقبل منه فأنما استخف بحكم الله و علينا رد، و الرّاد
علينا الرّاد على الله و هو على حد الشرك بالله.(1)
و منها صحيحة أبى خديجة قال : بعثنى ابو عبدالله عليه السلام الى أصحابنا
فقال : قل لهم : اياكم اذا وقعت بينكم خصومة أو تدارى فى شىء من الاخذ
والعطاء أن تحاكمواالى احد من هؤلاء الفساق، أجعلوا بينكم رجلا قد عرف
حلالنا و حرامنا،فانى قد جعلته عليكم قاضياً، وإيّاكم ان يخاصم بعضكم بعضاً
الى السلطان الجائر(2) و منها ما رواه الصدوق عن على (ع) قال: قال على (عليه
السلام) قال رسول لله (صلى الله عليه و آله) اللّهم ارحم خلفائى ـ ثلاثاً - قيل: يا
رسول الله و من خلفائك ؟ قال: الذين يأتون بعدى يروون حديثى و سنتى.(3)
ومنها مارواه اسحاق بن يعقوب قال : سألت محمد بن عثمان العمرى ان
يوصل لى كتاباً قد سألت فيه عن مسائل اشكلت على، فورد التوقيع بخط مولانا
صاحب الزمان (عجل الله فرجه):اما ما سألت عنه ارشدك الله و ثبّتك (الى ان
قال): و امّا الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها الى روات حديثنا، فانهم حجتى عليكم
و أنا حجة الله، و اما محمد بن عثمان العمرى فرضى الله عنه و عن ابيه من قبل فإنّه
ثقتى و كتابه كتابى.(4)
و منها صحيحة أخرى عن أبى خديجة سالم بن مكرم الجمال قال: قال أبو
عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: اياكم ان يحاكم بعضكم بعضاً الى
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1)(2)(3)- س ج 18 ب 11 من ابواب صفات القاضى ح 1 و 6 و 7 ص99 و 100 و 101
4- س ج 18 ب اامن ابواب صفات القاضى ح 9 ص 101
7
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اهل الجور و لكن انظروا الى رجل منكم يعلم شيأً من قضايانا فاجعلوه بينكم فانى
قد جعلته قاضياً، فتحاكمو اليه.(1)
ثم ان المقبولة من حيث السند لا بأس بها فان عمر بن حنظله و ان لم يوثق فى
كتب الرجال الا ان القدح ايضاً لم يرد فيه، فتلّقى الاصحاب لها بالقبول -حتى
سميت بمقبولة- يكفى فى الوثوق بصدورها فتكون حجة. على ان رواية(2) يزيد
بن خليفه تدل على وثاقته و هو و ان لم يوثق بالخصوص الا ان رواية صفوان بن
يحيى عنه تدل على وثاقته لقول الشيخ فى العدة ان صفوان و ابن ابى عمير و
البزنطى لا يروون الا عن ثقة، روى صفوان عنه فى فروع الكافى ج4 ب كفارة
الصوم، ص144.
و قد يناقش فى دلالتها بانها مختصة فى مورد المخاصمة و النزاع فلا تدل على
حاكمية الفقيه مطلقا.
الجواب عن ذلك ان مورد المقبولة و إن كان التخاصم و النزاع إلا ان كلام الامام
(عليه السلام) عام حيث قال: قد جعلته عليكم حاكماً، و لم يقل: قد جعلته عليهما
(اى المتخاصمين) حاكماً، فالعبرة بعموم كلام الامام(ع) لا بخصوصية المورد،
فاذن لا يبعد ان يكون حكم الحاكم حجة حتى فى مورد مثل ثبوت الهلال ايضاً.
و مما يدل على ان الهلال يثبت بحكم الحاكم صحيحة محمد بن قيس عن ابى
جعفر (عليهما السلام) قال: اذا شهد عند الامام شاهدان انهما رأيا الهلال منذ
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- س ج 18 ب11 من ابواب صفات القاضى ح 5 ص 4
2-س ج 4 جديد ب 10 من ابواب المواقيت ح1
8
ثلاثين يوماً، أمر الامام بافطار ذلك اليوم، اذا كانا شهدا قبل زوال الشمس و اذا
شهدا بعد زوال الشمس، أمر الامام بافطار ذلك اليوم و اخّر الصلاة الى الغد فصلّى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بهم.(1)
و المراد من الامام من اليه الحكم سواء كان المعصوم او نائبه الخاص او نائبه
العام و هو الفقيه الذى يصلح له الحكم و هو يستفاد من صحيحة الحلبى و فى
ذيلها: (و الامام بمنزلته (اى النبى) اذا رفع اليه قال: نعم(2)
فاذا ضممنا اليها معتبرة حفص بن غياث، ينتج ان الامام يشمل الفقيه الجامع
للشرايط، قال: سألت ابا عبدالله عليه السلام من يقيم الحدود السلطان او القاضى؟
فقال: اقامة الحدود الى من اليه الحكم.(3)
و قال المفيد((قدس سره))فى المقنعة: فاما اقامة الحدود فهو الى سلطان الاسلام