فيرتفع الاشكال.
(1) قد تقدم ان التقليد انما هو لتحصيل المؤمن من العقاب فى مرحلة الاطاعة
و الامتثال و فى الضروريات و اليقينيات، امكن الامتثال بلا تقليد و اجتهاد و
احتياط، و بعبارة اخرى الاجتهاد و التقليد، طريقان تعبديان لاطاعة المولى، فاذا
كان الواجب او الحرام ضرورياً او يقينياً، لا حاجة الى التماس طريق تعبدى، و اما
الاحتياط فهو فيما اذا كان الواجب او الحرام ذا احتمالين او احتمالات، ففى
الضرورى او اليقينى، لا يحتمل الخلاف فلا موضوع للاحتياط.
(2) المراد من البطلان هو عدم جواز الاكتفاء به فى مرحلة الامتثال لعدم
الحجة على الامن من العقاب، فحيث ان دفع الضرر المحتمل واجب يحكم العقل
بتحصيل المؤمن بالاحتياط او التقليد.
و ليس المراد منه البطلان واقعاً، فلو عقد على امرأة بالفارسية بلا تقليد، يحكم
العقل بعدم جواز ترتيب آثار الزوجية عليه لاحتمال كونه فى الواقع باطلا،
فيستحق العقاب بذلك، و كذا لو دار الامر بين القصر و التمام و اكتفى بالصلاة
قصراً بلا تقليد، يحكم العقل بعدم جواز الاكتفاء بذلك، فان الاشتغال اليقينى
16
يقتضى البرائة اليقينية، و اصالة حرمة الاستمتاع بهذه المرأة جارية، فلو اجتهد او
قلّد من يقول بصحة العقد بالفارسية و ان الوظيفة كانت قصراً يحكم بصحة العقد و
الصلاة قصراً و هذا واضح.
(مسألة8) التقليد هو الالتزام بقول مجتهد معين و ان لم يعمل بعد(1) بل و
لو لم يأخذ فتواه فاذا اخذ رسالته و التزم بالعمل بما فيها، كفى فى تحقق
التقليد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) اختلف الأصحاب فى معنى التقليد على أقوال:
أحدها الالتزام بقبول قول مجتهد معين و ان لم يعمل بعد -كما اختاره
المصنف ((قدس سره))-
ثانيها الأخذ بقول الغير من غير حجة.
ثالثها انه قبول قول الغير من غير حجة.
رابعها انه التعلم لأجل العمل -كما عن الميلانى ((قدس سره))-
خامسها انه العمل المستند الى فتوى المجتهد -كما عن عدة من الاصحاب-
و هو الا قوى و هو الاخص من المعانى الأربعة، فان العمل المستند الى قول
المجتهد، لا ينفك عن تعلّم فتواه و قبولها و أخذها و الالتزام بها و لاعكس فان
التعلم و القبول و الأخذ و الالتزام، قد تتحق و لا يتحقق العمل;
و قد تطابقت اللغة و الاخبار و العرف على ان التقليد هو العمل المعلّق بالعنق،
يقال تقلّد السيف اى جعل حبله فى عنقه، و قلّد البعير للهدى اى علّق النعلين فى
عنقه، و فى حديث الخلافة، قلّدها رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) علياً اى جعلها فى عنقه،
فعليه يكون التقليد فى المقام، جعل العامى اعماله فى عنق المجتهد.
فلو فسّرناه بالالتزام، يكون معناه، جعل فتوى المجتهد فى عنق العامى فيصبح
17
المجتهد مقلداً لانّه جعل فتواه فى عنق العامى، و هو مخالف لما تسالم عليه
الأصحاب من أنّ المقلّد هو العامى لا المجتهد، فانه مقلَّد هذا كلّه بحسب اللغة.
و أمّا الاخبار، فايضاً تثبت معناه اللّغوى: منها صحيحة عبدالرحمان بن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحجاج قال: كان ابو عبدالله عليه، قاعداً فى حلقة ربيعة الرأى فجاءاعرابى، فسأل
ربيعة الرأى عن مسألة، فاجابه، فلما سكت، قال له الاعرابى: اهو فى عنق؟ فسكت
عنه ربيعة و لم يرّد عليه شيئاً، فأعاد المسألة عليه، فاجابه بمثل ذلك، فقال له
الاعرابى: اهو فى عنق، فسكت ربيعة، فقال ابو عبدالله ((عليه السلام)) هو فى عنقه قال
او لم يقل، و كل مفت ضامن(1)
و منها رواية اسحاق الصير فى، قال: قلت لابى ابراهيم((عليه السلام)): ان رجلا
أحرم فقلم اظفاره و كانت له اصبع عليلة فترك ظفرها لم يقصه فافتاه رجل بعد ما
أحرم، فقصه فادماه فقال: على الذى افتى شاة(2)
و منها مارواه أبو عبيدة عن ابى جعفر((عليه السلام)): من افتى الناس بغير علم و
لاهدى من الله، لعنته ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب، و لحقه وزر من عمل
بفتياه(3)
واما العرف، فترى انهم يقولون: قلّدت القلادة فى عنق الفتاة اوالزوجة و
قلدتك الدعاء و الزيارة. اى جعلتهما فى عنقك.
و قد استشكل على ذلك صاحب الكفاية((قدس سره)) بان التقليد ان كان نفس
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العمل بفتوى الغير، فاول عمل يصدر من المكلف، يصدر من غير تقليد، لأن ذلك العمل
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1)(3)- ج 18 ب 7 من ابواب آداب القاضى ح 2 و 1 ص 161
2- س ج 9 ب 13 من ابواب بقية كفارات الاحرام ص 294
18
غير مسبوق بالتقليد الذى هو العمل، مع ان العمل لابد ان يكون مسبوقا بالتقليد،
لانّ المكلّف لابد أن يستند فى اعماله الى الحجة، فكما أن المجتهد يستند عمله
الى اجتهاده و هو امر سابق على عمله، كذلك العامى لابد ان يستند الى التقليد و
يلزم ان يكون تقليده سابقاً على عمله، فعليه يكون التقليد هو الاخذ بقول الغير
والالتزام به، فالعمل الذى يصدر منه يكون مسبوقاً بالتقليد.
و يردّه انه لم يدّل آية او رواية على ان العمل، لابد ان يكون مسبوقاً بالتقليد
حتى نلتزم بما ذكره، بل الدليل قام على ان العمل بلا تقليد باطل و لا يكون موجباً
للأمن من العقاب، فاذا اتى به المكلّف مستنداً الى فتوى المجتهد، يكون العمل
تقليداً للمجتهد و اطاعة للمولى، فلم يتحقق عمل بلا تقليد حتى يحتاج الى
الالتزام.
و قد يورد على تفسير التقليد بالعمل بانه مستلزم للدّور، فان مشروعية العبادة
متوقفة على التقليد، اذ لو لم يقلّد، لم يتمكن من الاتيان بها بما أنها مأمور بها حتى
تقع عبادة، فلو كان تقليده متوقفاً على اتيانه بالعبادة -لعدم تحقق التقليد الاّ
بالعمل - لدار.
و يردّه ان مشروعية العمل العبادى يتوقف على الدليل و الحجة عليه و لو كان
فتوى المجتهد، ولا تتوقف على التقليد، فان التقليد لا يكون مشرّعاً و هو يتحقق
بالعمل، فالتقليد يتحقق بالعمل بلا فرق بين العبادى و غيره و هو لا يتوقف على
التقليد، بل يتوقف العمل على قيام الدليل و الحجة عليه و لو كان فتوى المجتهد.
و قد يقال: ان ما ذكرتم من ان التقليد هو العمل المستند الى فتوى المجتهد يتم
فيما إذا كان المجتهد واحداً او متعدداً مع الاتفاق فى الفتوى، و أما مع التعدد و
التعارض فى الفتوى، فلا يكون التقليد الاّ الالتزام بقول احدهما او احدهم لان
موضوع الحجة، لا يتحقق الا بالالتزام با حدى الفتويين او الفتاوى، و هو مقدمة
19
لتطبيق العمل على طبقها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
و الوجه فى ذلك أنّ الحجة يمتنع ان تكون الجميع، لاستلزامه الجمع بين
الضدين او المتناقضين، ولا واحد معيّن لانه بلا مرجح، كما يمتنع الحكم بالتساقط
و الرجوع الى غير الفتوى لانه على خلاف السيرة و الاجماع، فاذن يتعيّن ان يكون
الحجة ما يختاره المكلف و يلتزم به، فان الحجة فى مفروض الكلام هى احدى
الفتويين او الفتاوى تخييراً و التميز انما يكون بالاختيار و الالتزام.
و فيه اولا انه لو كان احدهما او احدهم اعلم، يطبّق عمله بفتواه فهو مثل ما اذا
كان واحداً.
و ثانياً انه لو لم يكن اعلم او لم يعرف، فبناءً على ما ذهب اليه الاستاذ
الخوئى((قدس سره))، يأخذ باحوط القولين او الا قوال، فلا حاجة الى الاختيار و
الالتزام.
و فيه اولا انه سيجئ انشاء الله ان الأخذ بذلك، لا يكون عملياً و لا يتيسّر ذلك
للعامى من اول الطهارة الى آخر الديات.
و ثانياً ان السيرة القطعية قائمة على جواز تطبيق العمل على احدى الفتويين أو
الفتاوى بلا فرق بين ان تكون مطابقة للاحتياط اولا و بلا فرق بين ان يطبق عمله
على ما التزم به من الفتوى و غيره فلو التزم ان يأخذ بفتوى زيد و طبّق عمله بفتوى
عمرو حين العمل لا بأس بذلك لما تقدم من ان التقليد هو العمل المستند بفتوى
الفقيه و الالتزام لا دخل له فى التقليد اصلا.
ثم ان عنوان التقليد لم يرد فى شيئ من النصوص المعتبرة لنبحث عن مفهومه
سعة وضيقاً، نعم و رد فى ما رواه الاحتجاج مرسلا عن التفسير المنسوب الى
20
العسكرى ((عليه السلام)): (فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظا لدينه، مخالفاً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام ان يقلّدوه، و ذلك لا يكون الا بعض فقهاء
الشيعة لا كلّهم.(1)
و هى و ان تدل على اعتبار العدالة فى الفقيه و حجية فتواه، الا ان ارسالها مانع
عن الاعتماد عليها، و قد اشرنا فيما سبق أن التقليد لا يكون تقليدياً فلابد للعوام ان
يقطع بوجوبه، و الذى يمكن ان يستند العامى اليه فى التقليد أمران: احدهما
الارتكاز الثابت ببناء العقلاء، حيث ان بنائهم فى امور المعاد و المعاش على
الرجوع الى اهل الخبرة، و هذا لارتكاز ثابت لكل احد و قد جرت سيرتهم على
ذلك و لم يردع عنها الشارع، فهى حجة، و لا يلزم ان يلتفت العامى اليها تفصيلا، و
ان يتلفت اليها بادنى تنبيه و اشارة.
ثانيهما دليل الانسداد، فان كل مكلّف معتنق بالدين، يعلم ان فى دين الاسلام
واجبات و محرمات ولابد من الخروج عن عهدتها، و ذلك لا يمكن الاّ بالاجتهاد
او التقليد او الاحتياط، و الاول لا يكون واجباً عينيا على كل احد بالضرورة، و
الاخير يحتاج الى معرفة موارده و هو غير ميسور للعوام، فلا يبقى الا التقليد، فان
الظن ايضاً لا يكون له حجة لانه ليس من اهل النظر و الاستنباط، حتى يكون ظنه
اقرب الى الواقع، فلا يبقى له الا الرجوع الى العالم، فانه يعلم ان الشارع نصب له
طريقاً و هو ليس الا فتوى العالم و أهل الخبرة.
و لكن العامى لا يقدر ان يقرر دليل الانسداد على هذا النحو الا ان العالم و
المجتهد إذا قرّره و بيّنه، يقطع بذلك، فبيان العالم، يوجب علمه بذلك، لا انه حجة
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- س ج 18 ب10 من ابواب صفات القاضى ح 20 ص95
21
عليه تعبداً حتى يقال: ان حجية قوله يحتاج الى دليل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا كله بالنسبة الى العامى; و امّا المجتهد، فيمكن له ان يستدل على جواز
التقليد فى شرع الاقدس بأمور:
منها الاية مباركة: (فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين و
لينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون.)(1)
فانها تدل على وجوب النفر لوقوعه عقب لو لا التحضيضية و لكنه مقدمى و
الغاية منه التفقه و الانذار و الغرض منه الحذر، فالحذر عند الا نذار واجب، سواء
حصل العلم للمنذر بالفتح ام لا؟ و ذلك لاطلاق الآية.
و منها قوله تعالى: فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون(2) فان الامر بالسؤال
عن أهل الذكر، مقدمة للعمل بما اجابوا، فالمراد هو وجوب السئوال لاجل العمل
و ليس المراد هو السؤال فى نفسه، فانه لغو لا يكون مصّححاً للأمر، ان لم يكن
مقدمة للعمل، فتكون الاية دليلا على حجية قول العالم للجاهل، فيجب عليه العمل
به.
و قد نوقش فيها من وجوه: الأول أنّ المراد من الآية وجوب السؤال الى ان
يحصل العلم ثم العمل به، فلا دلالة لها على وجوب التقليد و العمل على قول
العالم تعبداً.
و فيه انه خلاف المتفاهم عند العرف الا ترى أنه لو قال المولى: ان لم تعلم
علاج المرض، فراجع الطبيب، يفهم العرف منه الوظيفة عند الجهل هو الرجوع
الى اهل الخبرة و قبول قولهم، لا الرجوع اليهم لتحصيل العلم.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- التوبة 9- الآية 122
2- الانبياء 21- الآية 7
22
الثانى أن أهل الذكر قد فسّر فى الاخبار باهل الكتاب او الائمة عليهم السلام و
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هو ينا فى ان يكون المراد منه الفقهاء، فلا تدل الآية على حجية قول الفقيه للعامى.
الجواب ان التفسير انما هو لبيان بعض مصاديق العالم و الكلى و هو لا يوجب
تخصيصه به، فان اثبات الشىء لا ينفى ما عداه، فالمورد ان كان من الامور
الاعتقادية كنبوة نبينا((صلى الله عليه وآله))، فالمناسب ان يسأل عن علماء اليهود لانهم
عالمون بالتورات التى فيها علامات نبى الخاتم، و ان كان من الفروع، فالمناسب
أن يسأل عن النبى او الائمة((عليهم السلام)) و عند عدم الوصول اليهم، فالمناسب ان