اعتبارى بل هى امر خارجىّ كالطهارة فى شراب الجنة، فكما أن الطهارة فيه بمعنى
النظافة الشديدة فكذلك الماء النازل من السماء طهارته شديدة لبعده من تلوثات
الأرض، فكيف يقال: ان طهارة الماء امر اعتبارى كالزوجية و الملكية و لا يقبل فيه
الشدة و الضعف و الخصم لا يقبله.
الصحيح ان يقال: ان الطهور اطلق على اربعة اشياء:
(الأول) التيمم كما فى صحيحة زرارة عن ابى جعفر((عليهما السلام)) قال: فان
التيّمم احد الطهورين.(1)
(الثانى) التراب كما فى صحيحة محمد بن حمران و جميل بن دراج عن ابى
عبدالله((عليه السلام)): إنّ الله جعل التراب طهوراً كما جعل الماء طهوراً.(2)
(الثالث) الشراب كما فى الآية المباركة المتقدمة، و المراد من الطهور فيها ليس
النظافة و الطّهارة الشديدة، بل المراد منها انه طاهر فى نفسه و مطهر لغيره و ذلك
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- س ج 2 ب21 من ابواب التيمم ح1 ص991
2-س ج 2 ب 23 من ابواب التيمّم ح1 ص994
223
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لما رواه الكلينى بسنده الصّحيح عن محمد بن اسحاق المدنى عن ابى
جعفر((عليهما السلام))(الى ان قال)(ع): فيسقون منها شربة يطهر قلوبهم من الحسد و
يسقط عن ابصارهم الشعر و ذلك قول الله (عزّوجل) و سقيهم ربّهم شرابا
طهوراً.(1)
(الرابع) الماء كما فى الآية المتقد مة و المراد منه ما يتطهر به نظير السحور
فانه ما يسحر به و الفطور بمعنى ما يفطر به و الحنوط بمعنى ما يحنط به و الوضوء
بمعنى ما يتوضأ به و الوقود بمعنى ما يوقد به.
فالطهور فى الأول بمعنى المطّهر لا غير فان التيمم مطّهر من الحدث و لا يطلق
عليه الطاهر لأنّ الطهارة و النجاسة تطلقان على الذات و لا تطلقان على الفعل
أصلا فلا يقال: ان هذالفعل طاهر و ذاك نجس.
و الطّهور فى الثانى و الثّالث و الرّابع بمعنى طاهر فى نفسه و مطهّر لغيره و قد
ظهر مما ذكرنا تمامية الاستدلال بالآية على مطهّرية الماء فانّه مطهّر لغيره و
لاينافيه كون طهارته شديدة لعدم تلوثه بتلوّثات الأرض فنقول: انه طاهر فى نفسه
و مطهّر لغيره و نظافته شديدة.
(الثالث) أن الآية على تقدير دلالتها على مطهرية الماء، فهى، مختصّة بالماء
النازل من السماء و هو المطر، فلا تدلّ الآية على مطهرية مياه الأرض كماء البحر و
البئر والعيون.
الجواب ان المياه كلها نزلت من السماء لقوله تعالى: و أنزلنا من السماء ماءً
بقدر، فاسكنّاه فى الأرض و إنا على ذهاب به لقادرون.(2)
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- تفسير البرهان سورة الدهر76ص415
2-سورة المؤمنون23- الآية18
224
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روى على بن ابراهيم فى تفسيره عن ابى الجارود عن ابى جعفر((عليهما السلام)) فى
قوله تعالى: (و أنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه فى الأرض )فهى الانهار و
العيون و الآبار.(1)
و أمّا البحار فالظاهر أنها مخلوقة قبل نزول الماء من السماء و ليست مجتمعة
من الانهار لأنّها ما لحة، و ما نزل من السماء ليس بمالح.
و أمّا قوله تعالى: و أنزلنا الحديد فيه بأس شديد و منافع للناس.(2)
فالإنزال فيه بمعنى الايجاد، كما عن على((عليه السلام)): انزاله ذلك خلقه اياه.(3)
و كذا قوله تعالى: و ان من شئ الاعندنا خزائنه و ما ننزله الابقدر معلوم.(4)
و التعبير بالانزال و النزول، انما هو لأجل وصول النعمة من العالى الى الدانى
رتبة و الاّ فالمراد هو الايجاد.
(الوجه الرابع) أن الماء فى الآية نكرة فى سياق الاثبات، فلا تفيد العموم
فالمراد ان فرداًمن أفراد المياه النازلة من السماء مطهّر.
الجواب أن الآيه نزلت فى مقام الامتنان على العباد، فجعل المطهّرية لفرد منه
بلا تعيين، ينافيه، فلابد أن يكون المراد كل فرد من أفراد المياه.
ثانيتهما قوله تعالى: و ينزل عليكم من السّماء ماءً ليطهّركم به(5)
و هو صريح فى مطهّرية الماء النازل من السماء.
و دعوى اختصاصها بوقعة بدر لانها مورد نزولها، فلا تدل على التعميم،
مدفوعة بأنّ نصوصاً وردت فى أن نزول الآية فى مورد خاص أو تفسيرها به، لا
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- تفسير على بن ابراهيم ج2 ص91
2- سورة الحديد-57 الآية25
3- تفسير نور الثقلين ج5ص250ح100
4-الحجر-15 الآية21
5-الانفال-8 الآية11
225
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يوجب اختصاص الآية بذلك المورد، لأنّ القران يجرى مجرى الشمس و القمر و
يشمل جميع الأطوار و الأعصار من دون ان يختص بقوم دون قوم، و فى تفسير
العياشى: و لو ان الآية نزلت فى قوم ثم مات اولئك القوم، ماتت الآية، لما بقى من
القرءان شيئ و لكن القرءان يجرى أوله على آخره.
و فى الوافى روى عن ابن بكير عن أبى عبدالله((عليه السلام)) قال: نزل القرآن باياك
اعنى واسمعى ياجاره.(1)
و فى الكافى عن عمر يزيد بن قال: قلت لابى عبدالله((عليه السلام)): الّذين يصلون
ما أمر الله به ان يوصل، قال: نزلت فى رحم ال محمد(صلى الله عليه و عليهم) و
قد تكون فى قرابتك ثم قال: فلا تكونن ممّن يقول للشيئ انه فى شيئ واحد(2)
و قد يستشكل على الآيتين بان الطهارة من الخبث و الحدث بالمعنى الفعلى،
لم تثبت فى زمن نزول الآيتين، فيمكن ان يكون المراد من التطهير التطهير من
الاقذار العرفية و الكثافات الخارجية، كما افاده الاستاذ((قدس سره))
و يردّه ان الطهارة من الحدث الاكبر و الأصغر، ذكرت فى القرءان كقوله تعالى:
ان كنتم جنبا فاطّهروا و قوله تعالى و اذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم و
ايديكم الى المرافق الخ، فالأول لازلة الحدث الاكبر و الثانى لازالة الحدث الاصغر
و حيث انّ الطهارة الحدثية، لم تكن من الأمور المعلومة عند عامة الناس، فلهذا
امر، بايجادها و اما ازالة الخبث و النجاسة بالماء فكانت معلومة معهودة عند
العامة، لم يذكرها فى القرءان، ايكالا بوضوحها، و يشهد عليه صحيحة ابى
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- ج 19 ص1770 من الوافى
2-الجزء الثانى ص156ح28
226
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خديجة(1)
أضف الى ذلك ان الايتين تدلان على الطهارة الخبثية الشرعية المبحوث عنها
فى المقام ايضاً و ذلك اولا انه من البعيد جداً ان الصلاة كانت مشروطة بالطهارة
الحدثية و ابلغها الرسول((صلى الله عليه وآله)) و لم تكن مشروطة بالطهارة الخبثية و لم
يبلغها للمسلمين، فعليه كان المسلمون، يستفيدون من الآيتين المشتملتين على
مطهرية ماء السماء، كلتى الّطهارتين.
و لو تنزلنا عن ذلك و سلمنا ان النبى((صلى الله عليه وآله)) لم يبلغ الطهارة من الخبث فى
تلك الأوان، كان المسلمون لم يستفدوها من الآيتين الاّ أن ذلك لا يستلزم ان
الطهارة الخبثية بالمعنى المبحوث عنه فى المقام، لم تكن مرادا منهما،فان ذلك
يستلزم اختصاصهما بتلك المسلمين فى الصدرالاول، و قد عرفت ان القرءان لا
يختص بقوم دون قوم، بل يجرى مجرى الشمس و القمر، فاذاً يكون المسلمون فى
جميع الاعصار مشمولين للآيتين، يستفيدون منهما الطهارة الحدثية و الخبثية فلا
يبقى شك فى انهما تثبتان كلتى الطهارتين، فلا نحتاج الى اثباتهما بالروايات و ان
كانت كثيرة جداً فى موارد مختلفة.
بقى الكلام فى أن الآيتين، تثبتان الطّهورية و المطّهرية للماء النازل، كما هو
صريح الآيتين فهل تكون مختصه به او تعم جميع المياء و لو كان موجوداً
بالاعجاز أو مأخوذا من الهواء كما اذا ركّب بين هدروژين و اكسوژين؟ الظاهر هو
الثانى و ذلك للاطلاق فى قوله تعالى: (و ان كنتم مرضى او على سفر او جاء
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- س ج 1ب 34 من ابواب احكام الخلوة ح5 ص251
227
73(مسألة1) الماء المضاف مع عدم ملاقاة النجاسة، طاهر لكنه غير
مطّهر لامن الحدث و لا من الخبث(1)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
احدكم من الغائط و او لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيباً(1)
و أنت ترى أن كلمة ماءً وقعت فى سياق النفى، فتفيد العموم، فاذا وجد الماء
من أى صنف كان، لايجوز التيمم.
نعم لو كانت كلمة ماء، معرّفة باللاّم، لم يمكن التمسّك باطلاقها لاحتمال كون
الّلام للعهد الذهنى أو الذّكرى و أنّ الماء النّازل من السماء كما فى الآيتين هو
المطهّر دون غيره.
و مما ذكرنا ظهر أنه لا مجال للقول بأن المطّهر هو الماء النازل من السماء و ان
اسكن فى الأرض وجرى من العيون او جمع فى الآبار- كما فى الآية المباركة، و امّا
ماء البحر، المالح،فبما انه لا يكون نازلا من السماء، فلا يكون مطهراً.
وذلك لأن اطلاق الماء فى الاية-كما عرفت - شامل لكل اصناف الماء فمن
كان عنده ماء بحر لايجوز له التيمّم، بل لابد من التطهّر به.
(1) أمّا طهارته فى نفسه، فلعدم المقتضى لنجاسته، فان الأشياء كلّها طاهر ما
لم يلاق النجاسة، و هو المتسالم عليه بين المسلمين، نعم اذا كان المضاف مأخوذاً
من النجس أو المتنجس، فهو نجس فهذا واضح.
و اما عدم رفع الحدث به فهو المشهور بين الأصحاب و هو المستفاد من قوله
تعالى المتقدم آنفاً، فان الله تعالى امر بالتيمم عند عدم وجدان الماء، و مقتضى
الاطلاق عدم الفرق بين وجود المضاف و عدمه.
و نسب الخلاف فى المقام الى الصدوق((قدس سره)) و انه جوّز الوضوء و الغسل
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- المائدة5 - الاية6
228
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بماء الورد لخبر يونس عن ابى الحسن((عليه السلام)) قال: قلت له: الرجل يغتسل بماء
الورد و يتوضأ به للصّلاة؟ قال(ع): لابأس بذلك(1)
قال الشيخ((قدس سره)): هذا خبر شاذ، أجمعت العصابة على ترك العمل بظاهره.
أضف الى ذلك أن سنده ضعيف لأجل سهل بن زياد، فانه لم يوثق.
على ان دلالته أيضا غير تامة، فانّ ماء الورد اذا كان معتصرا عنه مضاف و لكنه
نادر الوجود، و أما ما يتعطّر بمجاوردة الورد، فهو مطلق يصدق عليه الماء بلا
اشكال سواء كان مأخوذا بالتقطير، كما اذا القى الورد فى الماء فأغلى و اخذ منه
القطرات المتصاعد كما هو المتعارف فى زماننا او القى الورد فى الماء و بقى مدة
من الزمن، فيتعطر الماء بالمجاورة.
ثم انه لو شككنا فى المراد من الرواية أنه خصوص القسمين المطلقين او الأعم
منهما و من قسم المضاف، نتمسك باطلاق الآية فنقول: المراد منها هو ماء الورد
اذا صدق عليه الماء، و المضاف بما انه لا يصدق عليه الماء بلا اضافة، لا يكون
مرادا منها.
و مما ذكرنا ظهر ضعف ما ذهب اليه الاستاذ((قدس سره)) من سقوط الرواية عن
الاعتبار لأجل المعارضة للكتاب، فان المعارض له هو اطلاقها، لانفسها، فاذا كان
المراد من الرواية هو ماء الورد اذا كان باقيا على الاطلاق، لا تكون معارضة للآية
فلماذا تسقط عن الاعتبار.
و اما ازالة الخبث بالمضاف، فذهب الى كفايتها الشيخ المفيد و السيد
المرتضى((قدس سرهما)) لوجوه:
ــــــــــــــــــــــــــــ
1-س ج 1 ب 3 أبواب الماء المضاف ح1 ص148
229
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(الأوّل) إطلاق الغسل فى الرّوايات: (منها) صحيحة محمد عن
أحدهما((قدس سرهما)) قال: سألته عن البول يصيب الثوب؟ قال: اغسله مرتين(1)
(و منها) صحيحة ابن ابى يعفور قال: سألت ابا عبدالله((عليه السلام)) عن البول
يصيب الثوب؟ قال: اغسله مرتين(2)
(ومنها) موثقة سماعة قال: سألته عن بول الصّبى يصيب الثوب فقال: اغسله،
قلت: فان لم اجد مكانه؟ قال: اغسل الثوب كله(3)
(ومنها) صحيحة زرارة عن ابى جعفر((قدس سرهما)) قال: لاصلاة الابطهور و
يجزيك من الاستنجاء ثلاثة احجار، بذلك جرت السنة من رسول الله((صلى الله عليه وآله)) و
امّا البول فانه لابّد من غسله(4)
(ومنها) صحيحة يونس بن يعقوب قال: قلت لابى عبدالله((عليه السلام)): الوضوء
الذى افترضه الله على العباد او لمن جاء من الغائط أو بال؟ قال: يغسل ذكره و
يذهب الغائط، ثم يتوضأ مرّتين مرتين(5)
و فيه أولا أن الغسل و إن لم يقيّد بالماء فى هذه الموارد، الاّ أن كثرة الغسل
بالماء و الأمر به، يوجب انصراف الغسل الى الغسل بالماء لقلة استعمال الغسل