back page Index Page next page

منصرفة الى بول الآدمى كما تقدم، فلا يبقى لها العموم حتى يكون موجباً لترجيح
صحيحة عبدالله بن سنان.
ثم إن سيدنا الاستاذ استشكل ثانياً، و قال: لو لم نبن على الانصراف فأيضاً لا
تكون موافقة السنة مرجحة فى امثال المقام، لان موافقة الكتاب و السنة انما
توجب الترجيح فيما اذا كان عمومها لفظياً. و اما اذا كان بالاطلاق و مقدمات
الحكة، فلا اثر لموافقتها; لأن الاطلاق ليس من الكتاب والسنة، فالموافقة معه
ليست موافقة لهما.
و ما افاده((قدس سره)) لا يمكن المساعدة عليه، فان اطلاق كلام المولى و ان ثبت
بمقدمات الحكمة، يكشف عن اطلاق مراده الجدى، فالترجيح انما يكون بموافقة
الحديث له و ان كان الكاشف عن ذلك مقدمات الحكمة فالعمدة هى المناقشة
الاولى.
و ثانيا: ان الرّجوع الى المرجحات فى مورد التعارض انما يكون فيما اذا لم
يمكن الجمع الدلالى باظهرية احدهما من الآخر، و صحيحة ابى بصير فى المقام
اظهر من صحيحة عبدالله بن سنان، لانه ان قدمناها عليها، يلزم الغاء عنوان الطير
لأن الباقى تحة صحيحة ابى بصير هو الطير المأكول اللحم و قد ثبت فى الشرع ان
ما اكل لحمه لا بأس ببوله و خرئه بلا فرق بين الطير و غيره.
بخلاف ما اذا قدمنا صحيحة أبى بصير، فيكون الطير لا بأس ببوله و خرئه بلا
فرق بين ماكول اللحم و غيره، و يبقى تحت صحيحة عبدالله جميع الحيوانات
الغير المأكولة اللّحم سوى الطير الغير المأكول و هى كثيرة كلأسد، والنمر، و الفيل،

486

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
و الثعلب، و الارنب، و الكلب، و الخنزير، و الانسان الى ما لا يعد، و لا يحصى.
و يؤيد ذلك ان الطير المأكول اللحم، ليس له مجرى للبول مستقلا عن الخرء،
فإمّا لا بول له و إما ان يخرج مع خرئه فهو داخل فى الخرء، و عطف الخرء بالبول
فى صحيحة ابى بصير ظاهر فى ان الطير له بول و خرء و هما لا يوجدان الا فى
الطيور المحرمة، فعليه تكون الصحيحة نصّاً فيها، فلابد من تقديمها على صحيحة
عبدالله بن سنان التى هى ظاهرة فيها.
ثم إن شيخنا الانصارى((قدس سره)) استدل على نجاسة خرء الطيور المحرمة بما
رواه العلامة((قدس سره)) فى مختلفه من كتاب عمار بن موسى عن الصادق((عليه السلام))
قال: خرء الخطاف لا بأس به، هو مما يؤكل لحمه، و لكن كره اكله لانه استجار بك
و آوى الى منزلك، و كل طير يستجير بك، فأجره(212)
بتقريب انه((عليه السلام)) علّل عدم البأس بخرء الخطاف بانه مما يؤكل لحمه، و
ظاهره ان الخطاف لو لم يكن محلّل الاكل، كان فى خرئه بأس، فالمناط فى الحكم
بطهارة الخرء هو حلية الاكل من دون فرق فى ذلك بين الطيور و الحيوانات.
و فيه اولا: ان الشيخ الطوسى((قدس سره)) رواها و اسقط لفظ خرء، فتكون الرواية
اجنبية عن الدلالة على ان الملاك فى طهارة الخرء حلية اكل الطير. فمع اختلاف
النسخ لا يعلم ما صدر عن الامام((عليه السلام))
و ثانياً لو سلّمنا أن كلمة خرء موجودة فى الرواية، فحلّية اكله لم تذكر علّة
لطهارة الخرء لعدم ذكر ما دل على العلية (مثل لأن او فإنّ او حيث ان) فمن
المحتمل انه((عليه السلام)) بيّن حكمين احدهما طهارة الخرء و الآخر حلّية اكل

487

خصوصاً الخفاش (1) و خصوصا بوله و لا فرق فى غير المأكول بين أن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الخطاف من غير صلة بينهما، بل الظاهر ان الثانى مقدمة لبيان كراهة اكله للاستيجا
و ليس علة لكراهة الاكل ايضاً و ان التزم بها الاستاذ((قدس سره)) فى تقريراته; لانه لا
معنى لان يكون حلية الاكل علة للكراهة.
و أمّا ما ذهب اليه المجلسى و صاحب المدارك((قدس سرهما)) من طهارة خرء
الطير المحرم و الترديد فى بوله، فاستندا فى ذلك الى ان نجاسة الخرء لم تذكر فى
النصوص و انما التزمنا بنجاسته لعدم القول بالفصل بين نجاسة البول و الخرء، و
هو غير محقق فى خرء الطير، لوجود التعارض بين صحيحة عبدالله بن سنان و
صحيحة أبى بصير.
و فيه أنك قد عرفت طهارتهما من الطير مطلقا لاظهرية صحيحة ابى بصير من
صحيحة عبدالله بن سنان، فلم يبق مجال للترديد فى ذلك أصلا.
(1) الظاهر أن نظره فى ذلك الى دعوى العلامة الإجماع على نجاسة ما يخرج
منه، فانه((قدس سره)) اجاب عن صحيحة أبى بصير المتقدمة بانها مخصّصة بالخفاش
اجماعاً. و الى مارواه داود البرقى قال: سألت ابا عبدالله((عليه السلام)) عن بول
الخشاشيف يصيب ثوبى، فاطلب، فلا اجده، فقال: اغسل ثوبك.(213)
و حيث ان الاجماع المنقول لا حجية فيه و رواية البرقى ضعيفة السند
فالخفاش كبقية الطيور المحرمة، بل لا مجال للقول بنجاسة فضلتيه حتى على
القول المشهور من نجاسة فضلتى الطيور المحرمة لصحيحة عبدالله بن سنان; و
ذلك لأن الخفاش ليس له نفس سائلة بشهادة جمع من الثقات و قد قام الاجماع
على طهارة فضلة ما لا نفس له سائلة.

488

يكون اصلياً كالسباع و نحوها او عارضياً(1)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على ان معتبرة غياث دلت على طهارة بول الخفاش، عن جعفر عن
ابيه((عليهما السلام)) لا بأس بدم البراغيث و البق و بول الخشاشيف.(214)
(1) نقل الاجماع فيه مستفيض عن جماعة من الأصحاب على اختلاف منهم
فى معقده، فمنهم من حكاه على النجاسة فى الجلال، و آخر فى الموطؤ، و ثالث
فيهما و رابع: فى الدجاج الجلال، و خامس: فيما هو حرام بالعارض،
الظاهر ان منشأ اتفاق الأصحاب، هو صحيحة عبدالله بن سنان المتقدمة،:
اغسل ثوبك من ابوال ما لا يؤكل لحمه، و صحيحة هشام بن سالم عن ابى
عبدالله((عليه السلام)): لا تأكلوا لحوم الجلالة، و ان اصابك من عرقها شيئ، فاغسله.(215)
و هى تثبت الصغرى و صحيحة عبدالله تثبت الكبرى.
و قد يدعى ان التعارض بين صحيحة عبدالله بن سنان و صحيحة محمد بن
مسلم و امثالها بالعموم من وجه فالاطلاقان يتساقطان فى مورد الاجتماع، فيرجع
فيه الى قاعدة الطهارة.
بيان ذلك ان محمد بن مسلم قال: سألت ابا عبدالله((عليه السلام)) عن البان الإبل و
البقر، و الغنم و ابوالها و لحومها؟ فقال: لا تتوضأمنه، و ان اصابك منه شيئ او ثوباً
لك، فلا تغسله الاّ أن تنظّف.(216)
فبول الجلال من هؤلاء مورد للتعارض فبما أنّه بول لما لايؤكل لحمه، نجس
لصحيحة عبدالله بن سنان و بما انه بول بعير او بقر او شاة، طاهر، فان مقتضى
الاطلاق الاحوالى طهارته فى جميع الحالات من الكبر و الصغر و السمن و الهزال

489

كالجلاّل، و موطوء الانسان(1) و الغنم الذى شرب لبن خنزيرة(2) و أما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
و الجلل و غيره، فالاطلاقان يتساقطان، فيرجع الى قاعدة الطهارة.
و لكنها فاسدة فانّ صحيحة هشام بن سالم المتقدمة قد ادخل الجلاّل فيما لا
يؤكل لحمه، فصحيحة محمد بن مسلم لا تشمل حالة الجلل، فالمستفاد من
صحيحة ابن مسلم ان البانها و ابوالها و لحومها طاهرة فى غيره حال الجلل، فانّ
الابل و البقر و الغنم بما انها مأكول اللحم، لا بأس ببولها، لا مطلقا.
ففى موثقة عمار عن ابى عبدالله((عليه السلام)) قال: كل ما اكل لحمه، فلا بأس بما
يخرج منه.(217)
و مفهومه ان مالا يؤكل فبأس فيما يخرج منه، فيؤكد اطلاق صحيحة عبدالله بن
سنان المتقدمة.
و قد ظهر مما ذكرنا التعارض بين صحيحة عبدالله و صحيحة محمد بن مسلم
المتقدمة لعدم شمول الثانى لحالة الجلل، و شمول الأول لها، فلم يقع التعارض
بين الاطلاق الافرادى و الاطلاق الاحوالى، حتى يرجح الاول على الثانى، كما فى
المستمسك(218) فراجع
(1)كما هو المعروف فانه يحرم لحمه، فيشمله صحيحة ابن سنان المتقدمة.
(2) بلا خلاف ظاهر و تدل عليه عدة من النصوص: منها موثقة حنان قال:
سأل ابو عبدالله((عليه السلام)) و انا حاضر عنده عن جدى رضع من لبن خنزيرة حتى
شبّ و كبر و اشتد عظمه، ثم ان رجلا استفلحه فى غنمه، فخرج له نسل فقال: أما ما
عرفت من نسله بعينه فلا تقربنه، و أما ما لم تعرفه، فكله، فهو بمنزلة الجبن و لا

490

البول و الغائط من حلال اللحم فطاهر(1)
حتى الحمار والبغل و الخيل(2)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تسئل عنه.(219)
(1) هذا هو المتسالم عليه بين الأصحاب و تدل عليه عدة من النصوص: منها:
صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة.
و منها: موثقة عمار المتقدمة.
و منها: صحيحة زرارة: انهما((عليهما السلام)) قالا: لا تغسل ثوبك من بول شيئ
يوكل لحمه.(220) و نحوها غيرها
(2) كما هو المشهور بين الاصحاب لعدة من النصوص:
منها: مارواه ابو الاغرّ النحاس قال: قلت لابى عبدالله((عليه السلام)): انّى اعالج
الدواب، فربما خرجت بالليل و قد بالت وراثت، فيضرب احدها برجله اويده،
فينضح على ثيابى، فأصبح، فارى اثره فيه، فقال: ليس عليك شيئ.(221)
و منها: مارواه معلى بن خنيس و عبدالله بن ابى يعفور قالا: كنا فى جنازة و
قدامنا حمار، فبال، فجائت الريح ببوله حتى صكّت وجوهنا وثيابنا، فدخلنا على
ابى عبدالله((عليه السلام))، فأخبرناه، فقال: ليس عليكم بأس.(222)
و هاتان الروايتان و ان كان فى سندهما ضعف لاجل حكم بن مسكين و ابى
الاغرّ النحاس الا ان الأصحاب عملوا بهما، فيكون ضعفهما منجبرا بعمل
الاصحاب.

491

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وجعلوهما قرينة على حمل النصوص الآمرة بالغسل عن ابوالها(223) على التنزه
و الاجتناب عن المكروه او على التقية.
و لكن سيدنا الاستاذ الخوئى((قدس سره)) لم يرتض ذلك لما بنى عليه من ان عمل
الاصحاب لا يوجب جبر السند الضعيف و بنى على ان مقتضى الصناعة، و الجمع
بين الاخبار هو الحكم بنجاسة بول الحمار و البغل و الخيل و الحكم بطهارة
ارواثها.
ثم قال بعد ذلك: (ان ما يمنعنا عن ذلك، و يقتضى الحكم بطهارة ابوالها،
ملاحظة سيرة الأصحاب من لدن زمانهم((عليهم السلام)) الواصلة الينا يدا بيد حيث
انها جرت على معاملتهم معها معاملة الطهارة لكثرة الابتلاءبها و بالاخص فى
الازمنة المتقدمة فانهم كانوا يقطعون المسافات بمثل الحمير و البغال و الفرس فلو
كانت ابوالها نجسة لا شتهر حكمها و ذاع و لم ينحصر المخالف فى طهارتها با بن
الجنيد و الشيخ((قدس سرهما)) و لم ينقل الخلاف فيهما من غيرهما من اصحاب الائمة
و العلماء المتقدمين، و هذه السيرة القطعية، تكشف عن طهارتها و بها تحمل
الاخبار المتقدمة الصريحة فى نجاسة الابوال المذكورة على التقية، فان العامة، و لا
سيما الحنفية منهم ملتزمون بنجاستها.)
قلت: السيرة التى ادعاها الاستاذ((قدس سره)) مأخوذة من المتشرعة و هم اقتفوا
آراء العلماء و عملهم و فتاويهم، و المشهور افتوا بمضمون الروايتين المتقدمتين،
فيمكن ان يكون فتواهم مستندة اليهما و يمكن ان تكون مأخوذة من سيرة
الأصحاب قبلهم.

492

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
و بعبارة أخرى السيرة تصبح قرينة على اعتبار الرّوايتين، فيعمل بهما و يطرح
الاخبار الدالة على النجاسة لموافقتها للعامة او تحمل على الكراهة.
ثم ان المحقق الهمدانى((قدس سره)) استدل على طهارة ابوال الحيوانات الثلاثة
بموثقة ابن بكير قال: سأل زرارة ابا عبدالله((عليه السلام)) عن الصلوة فى الثعالب و
الفنك و السنجاب و غيره من الوبر، فاخرج كتاباً زعم انه املاء رسول
الله((صلى الله عليه وآله)) ان الصلوة فى وبر كل شيئ حرام الكه فالصلوة فى وبره و شعره و
جلده و بوله و روثه و كل شيئ منه فاسد، لا تقبل تلك الصلوة حتى يصلّى فى غيره
مما احل الله اكله، ثم قال: يازرارة هذا عن رسول الله((صلى الله عليه وآله))فاحفظ ذلك
يازرارة، فان كان مما يؤكل لحمه فالصلوة فى وبره و بوله و شعره و ورثه و البانه و
كل شيئ منه جائز اذا علمت انه زكى و قد زكّاه الذبح و ان كان غير ذلك مما قد
نهيت عن اكله و حرم عليك اكله، فالصلوة فى كل شيئ منه فاسدة، ذكّاه الذبح او لم
يزكّه.(224)
تقريب الاستدلال ان المراد با لحلية فى هذه الموثقة هى الحلية المجردة و لم
يرد منها ما أعد للاكل و قد دلّت بصراحتها على جواز الصلوة فى بول كل ما كان
كذلك من الحيوانات و منها الحمير و البغل و الفرس و يستفاد منها طهارة ابوالها

back page Index Page next page