Index Page next page

1





بسم اللّه الرحمن الرحيم


الحمدللّه رب العالمين و الصلاة و السلام على اشرف النبيين محمد و
آله الطاهرين و اللّعنة الدائمة على اعدائهم من الآن الى قيام يوم
الدّين.

و بعد فيقول العبد الفقير الى ربه الغنى قربانعلى المحقق الكابلى خلف
المرحوم محمد رضا(رحمة اللّه عليه):
هذه مجموعة بحوث فقهية القيتها فى الحوزة العلمية عند تشرّفى
بجوار كريمة اهل البيت فاطمة المعصومة ((عليها السلام)) حول كتاب الطهارة
من العروة الوثقى تأليف الفقيه الكبير فخر المحققين آية اللّه السيد محمد
كاظم اليزدى (طاب ثراه)
و كان ذلك من السنة الخامسة و السّبعين (1375 هج: ش) الى سنة
الثمانين (1380 هج: ش)
و هى بضاعة مزجاة أهديها الى ناموس الدهر الامام الثانى عشر (عجل
الله تعالى فرجه الشريف) و جعلنا من انصاره و أعوانه و المستشهدين

بين يديه.
فالمأمول من كرمه أن يمن علىّ بالقبول و يثبتها فى ديوان الحسنات
ويسأل من اللّه الغفور الرحيم ان يبدل سيئاتى بالحسنات و ينجنى برحمته
من عذاب النار يوم يمتاز الاخيار من الاشرار و يقرب المحسنون و يبعد
المسيؤون و لا ينفع مال و لا بنون الاّ من اتى اللّه بقلب سليم.

2

النجاسات

و لكن الأقوى جواز الانتفاع بها فيما لا يشترط فيها الطهارة(1)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المعروف بينهم هو حرمة الانتفاع بالميتة، و عن جماعة منهم
العلامة و الشهيدان جواز الانتفاع بها فيما لا يشرط فيه الطهارة و اختاره
السيد الحكيم و آقا ضياء و النائينى و الاستاذ الخوئى و الحائرى ((قدس سرهم))
و منشأ الاختلاف هو اختلاف الروايات و استدل للقول الأول بعدة من
النصوص:
منها صحيحة على بن ابى المغيرة قال: قلت لابى عبدالله ((عليه السلام))
جعلت فداك،الميتة ينتفع منهابشى ؟فقال: لا (الحديث)(1)
و منها موثقة سماعة قال: سألته عن جلود السباع، ينتفع بها؟قال: اذا
رميت و سميت، فانتفع بجلده و أما الميتة فلا(2)
و منها صحيحة الكاهلى قال: سأل رجل اباعبدالله ((عليه السلام)) و أنا عنده
عن قطع اليات الغنم، فقال: لابأس بقطعها اذا كنت تصلح بها مالك، ثم قال:
ان فى كتاب على ((عليه السلام)) ان ما قطع منها ميت لا ينتفع به(3)
و هذه الرواية صحيحة بطريق الصدوق و اما طريق الكلينى ففيه سهل
بن زياد و هو لم يوثق.
و منها صحيحة الحسن بن على الوشاء قال: سألت أباالحسن ((عليه السلام))
فقلت: جعلت فداك ان اهل الجبل تثقل عندهم اليات الغنم، فيقطعونها،
قال: هى حرام، قلت فنستصبح بها؟ قال: أما تعلم انه يصيب اليد

3

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والثوب، و هو حرام(4)
استدل للقول الثانى ايضا بعدة من النصوص:
منها ما رواه على بن جعفرفى جلود الميتة عن أخيه: و لو لبسها فلا يصل
فيها و تقدم آنفاً.
و منها ما تقدم آنفا من جامع البزنطى عن الرضا((عليه السلام))فى الاليات
المقطوعة من غنم حيث قال: نعم يذيبها و يسرج بها.
و منها ما ورد فى مكاتبة الصيقل المتقدمة فى جلود الميتة حيث قال
اجعل ثوبا للصّلاة(5)
و قديؤيدذلك بما ورد فى جوازالانتفاع بشعرالخنزيركصحيحة على بن
رئاب عن زرارة عن أبى عبدالله((عليه السلام))قال:سألته عن الحبل يكون من شعر
الخنزير يستقى به الماء عن البئر هل يتوضأ من ذلك الماء قال: لابأس(6)
و الجمع بين الطائفتين يقتضى حمل المانعة على الكراهة فان حرمة اكل
الميتة و عدم جواز لبسها فى الصلاة أمر مفروغ عنه، فالسؤال ناظرالى
الانتفاع بها بغير الاكل و اللبس فى الصلاة، كالاستصباح و تدهين السفن و
امثالهما، فتحمل النهى على الكراهة فان الطائفة الاولى ظاهرة فى الحرمة
والطائفة الثانية نصّ فى الجواز فيحمل الظاهر على النص فتحمل على
الكراهة. فقوله (ع): حرام فى صحيحة الوشّاء يحمل على الكراهه لأن
الضرورة قائمة بعدم حرمة تلوّث الثوب و اليد بالميتة فالظاهر أن

4

(الخامس) الدم من كل ماله نفس سائلة (1) انسانااوغيره كبيراًاو
صغيراً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التعبيربالحرام لأجل تلوث اليد و الثّوب المؤدى الى بطلان الصّلاة، فاذا
استصبح بها و طهر كلّما تلوث من اليد و الثوب، لابأس به فانه (ع) جعل
التّلوث مانعاً و لم يمنع من الأستصباح، فهى اقوى شاهد على ان المنع من
جهة التلّوث لا من جهة حرمة الانتفاع.
ثم ان سيدنا الاستاذ ((قدس سره)) جمع بنحو آخر و هو ان السائل سأل عن
الامام ((عليه السلام)) الانتفاع بالميتة كالانتفاع بالمذكى كاستعمالها فى الاكل و
غيره مما تشترط فيه الطهارة، لانه الظاهر من قول السائل: ينتفع بها اى هل
ينتفع بها كالانتفاع بالمذكى؟ و هذ الجمع اقرب الى الذوق،
و عليه فالمحرّم خصوص الانتفاع بها فيمايشترط فيه الطهارة و التذكية.
واما ما لايشترط فيه شىء منهما، فالانتفاع فيه بالميتة، محكوم بالجواز.
قلت: الظاهران هذا الجمع بعيد لان السائل مثل الحسن بن على الوشاء
كيف يخفى عليه ان الميتة حرام اكلها و لا يجوز لبسها فى الصلاة فانه كان
عينا من عيون هذه الطائفة و وجهاً من وجوههم و كذا بقية الروات فان
حرمة اكل الميتة و عدم جواز لبسها فى الصّلاة، كانت امرا مفروغاعنه،
لقوله تعالى : حرمت عليكم الميتة والدم الخ.
(1) اجماعاً صريحاً و ظاهراً عن جماعة كثيرة كما فى المستمسك و
قال سيدنا الاستاذ((قدس سره))نجاسته من المسائل المتسالم عليها عند
المسلمين فى الجملة، بل قيل: انهامن ضروريات الدين، و لم يخالف فيها
أحد من الفريقين، فهى ممّا اجمع عليه المسلمون، و النصوص الدالة على

5

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ذلك متواترة معنىً، فهى فى الجملة مماتطابقت عليه النصوص و الفتاوى.
و الكلام انما هو فى انه هل يكون فى المقام عموم او اطلاق لفظى يرجع
اليه عند الشك ام لا؟ ذهب سيدنا الاستاذ الخوئى((قدس سره))الى الأول،
واستدل على ذلك بموثقة عمار عن ابى عبداللّه ((عليه السلام)) قال: سأل عما
تشرب منه الحمامة؟ فقال: كل ما اكل لحمه، فتوضّأ من سؤره و اشرب. و
عن ماء شرب منه باز او صقر او عقاب، فقال: كل شى من الطير، يتوضّأ مما
يشرب منه، الا أن ترى فى منقاره دماً، فان رأيت فى منقاره دماً فلا توضّأ
منه و لا تشرب(7)
تقريب الاستدلال، أن الدّم الواقع فى كلامه ((عليه السلام))مطلق فيستكشف
من حكمه بعدم جواز الوضوء من الماء فى مفروض السؤال، نجاسة الدم
على اطلاقه.
و ناقش فى هذه الاستدلال السيد الحكيم ((قدس سره)) فى المستمسك بأنه
وارد فى مقام جعل الحكم الظاهرى عند الشك فى وجود الدم المفروغ عن
نجاسته، لا فى مقام تشريع نجاسة الدم.
و التحقيق يقتضى ان يقال: ان الدم ان لم ير فى منقار الطير حكم
بطهارته سواء كان الدم سابقا فى منقاره و قد زال فان زوال النجاسة من بدن
الحيوان يكفى فى طهارته، او شك فى زواله، فان الموثقة تدل على عدم
جريان الاستصحاب فى منقاره حيث جعل معيار النجاسة فى السؤر،
روئية الدّم فيه، فلا تختصّ بما ذكره السيد الحكيم((قدس سره))
و الحاصل أن الموثقة ليست فى مقام بيان جعل النجاسة فى الدّم، بل

6

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فى مقام بيان أن سوءرالحيوان طاهر الاّ اذا كان حين الملاقاة ملوّثا بعين
النجس.
فعليه لا يصحّ التمسّك بالاطلاق فى موارد الشك هذا اولا و ثانياً ان
الموثقة ناظرة الى ما يتلوث به منقار الطيور عادة و هو الميته، و الجيفة، و
لأجل هذه النكتة ذكر الدّم و لم يذكر نجاسة اخرى و الّا فمنقار الطير اذا
كان ملوّثا بالعذرة مثلا ايضاً يوجب نجاسة السؤر، فذكر خصوص الدم
ليس الّا لأجل تلوث منقار جوارح الطّيور بالميتة و الجيفة غالباً.
ان قلت: الدم المرئى فى منقار الطير أمره دائر بين ان يكون من الميتة و
الجيفة كما هو المظنون و ان يكون من السمك او من المتخلف فى الذبيحة
أو مما قتله كلب الصّيود، كما هو المحتمل، فالشبهة موضوعية و هى
المجرى لأصالة الطهارة، فلماذا حكم الامام ((عليه السلام))بوجوب الاجتناب؟
قلت: لمّا كان الظاهر من حال جوارح الطيور أن الدّم فى منقارها من
الميتة و الجيفة لأجل الغلبة، قدّم الشارع الظاهر على الأصل، فحكم
بالاجتناب عن سؤرها فى هذه الفرض تعبداً.
نظيرالمقام ما اذا خرج المنى من انسان ولم يبل واغتسل للجنابة ثم
خرج بلل مردد بين المنى و المذى، فان مقتضى الاصل طهارته و عدم
وجوب الغسل ولكن الشارع قدم الظاهر على الاصل فحكم بوجوب
استيناف الغسل لأنّ ظاهر الحال يقتضى أن المنى باق فى المجرى.
وكذالكلام فيما اذا بال و لم يستبرأ و توضأ ثم خرج بلل مردّد بين البول
والمذى فهو مجرى لاصالة الطهارة ولكن الشارع قدم الظاهر على الاصل
وحكم بانه بول ناقض للوضوء ومنجس لملاقيه لان المظنون بقاء البول فى

7

قليلاً كان الدم (1) اوكثيرا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المجرى فقد ظهر مما ذكرنا أن الموثقة لم ترد فى مقام تشريع النجاسة،
للدّم على الأطلاق، بل وردت فى مقام الحاق المظنون بالمقطوع،
تقديماًللظاهر على الأصل فلايمكن التمسك بالاطلاق لاثبات نجاسة
مطلق الدم. و لكنه يمكن ان يقال: ان المستفاد من صحيحة محمد بن مسلم
عن احدهما((عليهما السلام)) أنّ الدم مطلقا نجسٌ قال: سألته عن الرجل يرى فى
ثوب اخيه دماً و هو يصلى قال: لايؤذنه حتى ينصرف (8)
فأن المرتكز فى ذهن السائل كان نجاسة مطلق الدم و اقره الامام (ع)
على ذلك حيث نهى عن الايذان لأنه لو آذنه لقطع الصّلاة للتّطهير فوقع فى
المشقّة و مع عدم الايذان يتم صلاته و يحكم بصحتها لعدم علمه به قبل
الصلاة.
(1) اشارة الى ردّ ما ذهب اليه الشيخ ((قدس سره))و جماعة من ان الدم
القليل الذى لايدركه الطرف، لا يكون نجساً، لصحيحة على بن جعفر عن
أخيه أبى الحسن موسى بن جعفر((عليهما السلام)) قال: سألته عن رجل رعف،
فامتخط، فصار بعض ذلك الدم قطعاً صغاراً فاصاب أنائه، هل يصلح الو
ضوء منه؟ فقال: ان لم يكن شيئاً يستبين فى الماء فلابأس و ان كان شيئاً
بيّناً،فلاتتوضأ منه، قال: و سألته عن رجل رعف و هو يتوضأ، فتقطر قطرة
فى انائه ، هل يصلح الوضؤ منه؟ قال: لا(9)
فانها لا تكون ظاهرة فى اصابة الدم للماء، بل ظاهرة فى اصابته نفس
الاناء و يشك فى انه اصاب الماء ام لا، فجوابه (ع) ناظر الى ان الشك فى

8

و اما دم ما لا نفس له، فطاهر (1) كبيرا كان او صغيراً كالسمك و البق
و البرغوث
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اصابة الماء لا يمنع من التوضأبه، و هو على طبق القاعدة.
ثم إن الصّدوق ((قدس سره)) ذهب فى الفقيه الى ان ما دون الحمصة من الدّم
لا يكون نجساً و لعله استند فى ذلك الى رواية مثنى بن عبدالسلام عن ابى
عبدالله ((عليه السلام)) قال: قلت له: انى حككت جلدى، فخرج منه دم، فقال: ان
اجتمع مقدار حمصة فاغسله، و الّا فلا(10) و بهذا المضمون ما ورد فى الفقه
الرّضوى.
و لكن رواية مثنى ضعيفة و الفقه الرضوى لم يثبت كونه رواية فضلا عن
ان يكون حجة، و يمكن ان يكون مراد الصدوق العفو عمادون الحمصة
لاعدم النجاسة، فلايكون مخالفا فى المسألة.
فأنّه لو كانت الرّواية معتبرة ايضاً، لم تدل على عدم نجاسة مادون
الحمّصة بل دلّت على العفو فى الصّلاة كبقية روايات العفو عمادون
الدرهم.
ثم ان ابن الجنيد ذهب الى عدم نجاسة مادون الدّرهم من الدّم و البول و
غيرهما من الاعيان النجسة غير دم الحيض و المنى، و لعلّه اعتمد على ما
دلّ على العفو عمادون الدرهم من الدم و قاس عليه غيره، فانه كثيراً ما
عمل بالقياس.
و فيه انه لا فرق فى الدم بين الدرهم و مادونه و مافوقه فانه نجس مطلقا،
و القياس باطل فان غير الدم لا عفو فيه اصلا بلافرق بين القليل و الكثير،
(1) عمدة ما استدل على الطهارة امران احدهما الاجماع قال السيد

9

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحكيم((قدس سره))اجماعامحكيافى كلام السيدين والحلّى والمحقق والعلامة
فى جملة من كتبه و الشهيدين والسيد فى المدارك على ما حكى عنهم، و
كفى به دليلا على الطهارة.
الثانى أصالة الطهارة فانك قد عرفت انه لا عموم و لا اطلاق يدل على

  Index Page next page