فليس الوجه فى عدم ناقضيته ذلك، بل الوجه فيه هو ظهور النصوص فيماهو
مشترك بين الرجال والنساء و الرّيح المذكورة فى النصوص منصرفة عما
يخرج من قبل النساء، فهى لاتنقض الوضوء.
ولو تنزلنا عن ذلك و قلنا: بعدم وضوح ذلك اصبحت النصوص مجملة
بالنسبة اليها فتصل النوبة الى الاصل العملى و هو ليس فى المقام الاّ
الاستصحاب فنستصحب طهارتها بعد خروجها من القبل.
(1) تحقيق الكلام فيه يقتضى التكلم فى مسائل:
الأولى: ان قوله تعالى: اذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم و أيديكم
الى المرافق و امسحوا برئوسكم و ارجلكم الى الكعبين(355)
روى ابن بكير قال: قلت لأبى عبدالله ((عليه السلام)) قوله تعالى: (اذا قمتم الى
الصلاة) مايعنى بذلك؟ قال: اذا قمتم من النوم، قلت:ينقض النوم الوضوء؟
فقال: نعم اذا كان يغلب على السمع و لايسمع الصوت(356)
وقد نقل الشيخ الطوسى و العلامة اجماع المفسرين على ان المراد من
الآية هو القيام من النوم، فعليه يكون اتفاق الشيعة و السنة على ان النوم
ناقض للوضوء لأن كثيرا من المفسرين يكون من السنة.
و السّمع و البصر، فلاتنقض الخفقة اذا لم تصل الى الحد المذكور.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ان قلت: لوقيل: بعدم حجية الموثقة لأن راويها هو عبداللّه بن بكير و هو
فطحى المذهب و لانقول: بحجية رواياته كما ذهب اليه صاحب المدارك، و
بعدم حجية الاجماع لانه منقول و ليس بحجة، فهل يمكن الاستدلال بالآية
لناقضية النوم للوضوء أم لا؟ الاظهر هو الأول و ذلك لأنّ المراد من القيام
الى الصّلاة هو ارادة الصلاة سواء كان بعد الخروج من بيت الخلاء أو بعد
النوم أو بعد الجلوس أو بعد المشى الاّ اذا كان متطهراً فانّ الاجماع و
الضّرورة كليهما قائم على عدم وجوب الوضوء على المتطهّر عند ارادة
الصّلاة، فعليه يكون المستفاد من اطلاق الآية وجوب الوضوء بعد النوم. هذا
كله فى الاستدلال بالكتاب.
و أما السّنة فروايات كثيرة لايبعد تواترها اجمالا(357)
و لكنه نسب الى الصدوق ((قدس سره))عدم النقض بالنوم قاعداًمع عدم الانفراج
لمارواه فى الفقيه: و سأل موسى بن جعفر ((عليه السلام)) عن الرّجل يرقد و هو
قاعد، هل عليه وضوء؟ فقال: لاوضوء عليه مادام قاعداً ان لم ينفرج(358)
و قريب منها خبر الحضرمى قال :سألت أباعبدالله ((عليه السلام)): هل ينام
الرجل و هو جالس؟ فقال: كان ابى يقول: اذا نام الرّجل و هو جالس مجتمع،
فليس عليه وضوء و اذا نام مضطجعاً فعليه الوضوء(359) و قريب منهما موثقة
سماعة و رواية عمران بن حمران.(360)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
و النسبة مستندة الى ما قاله الصّدوق فى أول الفقيه من أن ماارويه فى هذا
الكتاب يكون حجة بينى و بين ربّى.
فيه اولا أن عدة من الاساطين شهدوا على ان الصدوق عدل منه. و ثانياً
يمكن ان يكون المراد من عدم الإنفراج عدم تحقق النوم فانه موجب
لانفراج الأعضاء لرخوة النوم.
و ثالثاً انه على فرض ان يكون المراد من الرقد تحقق النوم، يقع التعارض
بينها و بين الروايات المتواترة اجمالا و حيث انها موافقة لبعض العامة و هو
الشافعى والاوزاعى فتحمل على التقية.
المسألة الثانية إن الصدوق ((قدس سره)) قال فى اوائل كتاب من لايحضره الفقيه:
و لم اقصد فيه قصد المصنفين فى ايراد جميع مارووه بل قصدت الى ايراد
ماافتى به و أحكم بصحته و اعتقد فيه أنه حجة فيما بينى و بين ربى تقدس
ذكره.
و روى صحيحة زرارة المتقدمة(361) فى الفقيه فى صفحة 91 من الكتاب
الذى عندى و جاء فيها ناقضية النوم.
و قال الصدوق ((قدس سره)) فى المقنع: ولاينقض وضوئك الاّ من اربعة اشياء
من بول او غائط او ريح او منى و سواء ذلك من القى، و القلس و القبلة و
الحجامة والرعاف و الوذى و المذى، فليس فيه اعادة الوضوء(362)
و هذان الكلامان منه ((قدس سره)) لايمكن الجمع بينهما، فان صحيحة زرارة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مذكورة فى الفقيه و هى ناطقة بناقضية النوم ; و حصر الناقض فى الاربعة
يدل على عدم ناقضية النوم. فكيف يجمع بين الكلامين.
(المسألة الثالثة) ان الناقض للوضوء هو نوم القلب و الأذن دون نوم العين
وحدها و ذلك لصحيحة زرارة قال: قلت له: الرجل ينام و هو على وضوء
أتوجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء؟ فقال: يا زرارة قدتنام العين و
لاينام القلب والأذن، فاذا نامت العين والقلب و الاذن، وجب الوضوء، قلت:
و إن حرك الى جنبه شئ و لم يعلم به؟ قال: لا، حتى يستيقن أنه قد نام،
حيث يجئ من ذلك امربين والاّ فانه على يقين من وضوئه و لاتنقض اليقين
ابدا بالشك و انما تنقضه بيقين آخر(363)
قال الاستاذ ((قدس سره)): و الظاهر انه ناظر الى بعض الاشخاص ممن لايغمض
عينيه فى المنام، فانه اذالم يبصر و عيناه منفتحان قديشك فى نومه و لانظر له
الى جميع الافراد لوضوح ان الانسان قد يغمض عينيه قبل المنام، و مجرد
عدم الابصار لايوجب انتقاض الوضوء فلاعبرة بنوم العين ابداً(364)
ماافاده (قدس سره) لايمكن المساعدة عليه فان نوم العين مقدم على نوم
الاذن و القلب، فلاعبرة بنومها بلافرق بين ان يكون مفتوحةً او غير مفتوحة.
(المسألة الرابعة) هل النوم بماهو نوم ناقض للوضوءاوانه طريق الى حدث
آخركخروج الريح مثلا فناقضية النوم من باب تقديم الظاهر على الأصل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حيث انه مظنة لخروج الريح.
قد يستدل على الثانى بصحيحة الكنانى عن ابى عبدالله ((عليه السلام)) قال:
سالته عن الرجل يخفق و هو فى الصلاة؟ فقال: ان كان لايحفظ حدثاً منه ان
كان فعليه الوضوء و اعادة الصلاة و ان كان يستيقن انه لم يحدث فليس عليه
وضوء ولااعادة(365)
فهى تدل على ان النوم طريق الى صدور الحدث فناقضيته لأجله.
و تعارضها صحيحة اسحاق بن عبداللّه الاشعرى عن أبى عبدالله ((عليه السلام))
قال: لاينقض الوضوء الاّ حدث و النوم حدث(366) فهى كالصريح فى أن النّوم
حدث، فهى تصلح أن تكون قرينة على ان المراد من الاولى هو انه كان
لايقدر على حفظ حدثه، فهو نائم يجب عليه اعادة الوضوء و الصلاة، و ان
كان قادرا على حفظ حدثه، فلم ينم فلايجب عليه اعادة الوضوء والصلاة.
و يويّده ذكر النوم فى قبال مايخرج من الطرفين فى بعض النصوص
كصحيحة زرارة لاينقض الوضوء الا ماخرج من طرفيك او النوم(367)
فالعطف باو يدل على المغائرة و على أن النوم ناقض مستقل لاانه امارة
على مايخرج من الطرفين و انه يئول اليه.
و قد يستدل على الثانى ايضاً بمارواه الفضل عن الرضا ((عليه السلام))قال: انما
وجب الوضوء مماخرج من الطرفين خاصة و من النوم دون سائر الاشياء لان
الطّرفين هما طريق النجاسة (الى ان قال): و امّا النوم فان النائم اذا غلب عليه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النوم يفتح كل شئ منه واسترخى، فكان اغلب الاشياء عليه فيما يخرج منه
الريح، فوجب عليه الوضوء لهذه العلة(368)
فيه أولا انها ضعيفة السند لضعف ماهو الواسطة بين الصدوق و الفضل و
هو على بن محمد بن قتيبه.
و ثانيا ان خروج الحدث عن النائم حكمة لناقضية النوم و لايكون علة لها
و لايعتبر الاطراد فى الحكمة فيكون النوم ناقضاً و ان لم يقارنه الحدث فحال
خروج الريح عند النوم حال اختلاط الانساب فى وجوب العدة، فتجب العدة
على المرئة عند الطلاق و ان علمت بعدم اختلاط الانساب كما اذا سافر
الزوج عشر سنوات و لم يكن عند زوجته، فاذا طلقها فى السفر تجب العدة
على المرأة و ان تعلم بعدم اختلاط النسب.
(المسألة الخامسة) روى عبدالله بن سنان عن ابى عبدالله ((عليه السلام)) فى
الرجل هل ينقض وضوئه اذانام و هو جالس؟ قال: ان كان يوم الجمعة فى
المسجد فلاوضوء عليه، و ذلك انه فى حال ضرورة.
احتمل صاحب المنتقى الحمل على التقية لان جمعا من العامة لايرون
النوم فى حال الجلوس ناقضا للوضوء
قال السّيد الاستاذ ((قدس سره)): والصحيح ان العمل بالرواية لوصح سندها مما
لامناص منه و ان الحكم بعدم وجوب الوضوء فى مفروضها من جهة التقية
كمااحتمله فى المنتقى و ذلك لأن الرجل فى يوم الجمعة بعد ماازدحم
الناس الى الصلاة وقامت الصفوف ان كان خرج من المسجد وخرق الصفوف
الخامس كلّما ازال العقل (1) مثل الاغماء والسكر والجنون دون
مثل البهت.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من دون ان يصرح بعذره فلاشبهة فى انه على خلاف التقية المأموربها فانه
اعراض عن الواجب المتعين فى حقه من غير عذر و هو يستتبع الحكم
بفسقه على الاقل (الى ان قال): و من هنا ورد فى الرواية انه فى حال ضرورة
و عليه فلامناص من الحكم بصحة صلاته لأنّها مع الطّهارة فى عقيدتهم و ان
كان الأمر على خلاف ذلك عندنا لانتقاض وضوئه بالنوم.
فيه أولا ان مضمون الرواية لايمكن العمل به لانه خلاف الاجماع بل
الضرورة، فانها تدل على ان النواقض فى حال الضرورة لاتكون ناقضة لأنّ
التّعليل يعمّم، فلوخرج منه الريح او البول لايكون ناقضاً لانه فى حال
ضرورة و هذا ممالم يقل به أحد من الأصحاب، فلابد من رد علمهاالى اهلها.
و ثانياان الخروج من الصفوف لايدل على الفسق لان الانسان معرض
للحوادث فقد يعرض عليه الصراع الشديد او وجع البطن بحيث لايقدر على
البقاء فى الصفوف و اقامة الصّلاة.
(1) يستدل على ذلك بوجهين:(الاول)الاجماع المنقول بالتواترفالشيخ
نسبه الى علمائنا،كما عن النهاية وعن الغنية والمستدرك والدلائل والكفاية
اجماع الأصحاب و عن التهذيب اجماع المسلمين و عن الخصال أنه من دين
الإمامية. و عن البحار أنه قال: اكثر الأصحاب نقلوا الاجماع على ناقضيته.
و هذا هو العمدة، فانه يوجب الاطمينان على انّه راى المعصوم ((عليه السلام)) و
ذكر المحقق الهمدانى ((قدس سره)) انه قلّما يوجد فى الاحكام الشرعية مورد يمكن
استكشاف قول الامام ((عليه السلام))او وجود دليل معتبر من اتفاق الأصحاب مثل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المقام كما أنه قلّما يمكن الاطلاع على الاجماع لكثرة ناقليه و اعتضاد نقلهم
بعدم نقل الخلاف، كما فيما نحن فيه.
و لايقدح فى ذلك توقف صاحب الوسائل والحدائق فلعلهمالم يطمئنا
برأى المعصوم((عليه السلام)) من ذلك.
(الثانى) النصوص: منها صحيحة معمر بن خلاد قال: سالت اباالحسن
((عليه السلام)) عن رجل به علة لايقدر على الاضطجاع، و الوضوء، يشتد عليه و هو
قاعد مستند بالوسائد فربمااغفى و هو قاعد على تلك الحال؟قال: يتوضأ،
قلت له: ان الوضوء يشتد عليه لحال علته، فقال: اذا خفى عليه الصوت، فقد
وجب عليه الوضوء(369)
الاستدلال بهذه الصحيحة مبنى على ان يكون كلمة اغفى مشتركا بين
الاغماء و النوم، و لكنا راجعنا اللغة فوجدناها بمعنى النوم فلادلالة لها على
الاغماء اصلا.
و منها صحيحة زرارة المتقدمة(370) فهى تدل على ناقضية النوم حتى يذهب
العقل فالمستفاد منها ان الملاك فى بطلان الوضوء ذهاب العقل سوأكان
بالنوم او بالاغماء، فهى لاتخلو عن الظهور فى ان الملاك فى بطلان الوضوء
ذهاب العقل و ان قال الاستاذ (على ما فى التنقيح): انها لاتدل على ذلك بل
لااشعار لها بذلك.
(السادس)الاستحاضة القليلة بل الكثيرة و المتوسطة (1) و ان
أوجبتا الغسل أيضاً، و أما الجنابة فهى تنقض الوضوء لكن توجب
الغسل فقط
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
و منها حسنة عبداللّه بن المغيرة و محمد بن عبداللّه قالا:
سألناالرضا((عليه السلام)) عن الرجل ينام على دابته؟ فقال: اذا ذهب النوم بالعقل،
فليعد الوضوء (371)
تقريب الاستدلال ان المستفاد منهاان الملاك فى بطلان الوضوء ذهاب
العقل فلافرق بين النوم و الاغماء فان كليهما موجب لزوال العقل. و هذا مثل
الصحيحة المتقدمة لاتخلو عن الظهور فى ذلك.
(1) الكلام فيها باقسامها يأتى عند التكلم فيها فى بابها فانتظر و أما الجنابة
فهى تنقض الوضوء و لاتوجبه بل توجب الغسل فقط ; كما يأتى فى بابها.
و أما بقية الاحداث الكبيرة كالحيض و النفاس و مسّ الميت فهل هى
ناقضة للوضوء ام لا؟ الظاهر هو الثانى و ذلك لماعرفت من حصر النصوص
النواقض فى البول و الغائط والريح و المنى و لم يدل أىّ دليل على ناقضيتها