ذلك الكذب على الله و على رسوله و على الأئمة (عليهم السلام)(395) فان
أحداً من العامة لم يفت ان مثل هذ الكذب موجب لبطلان الوضوء حتى
تحمل على التقية و لم يفت احد من أصحابنا ايضاً على ناقضيته للوضوء
حتى يراد منه المعنى الظاهر فلم يبق الاحمل النقض على حصول الحزازة و
المنقصة فالاعادة مستحبة لرفعها.
و منها موثقة سماعة قال: سألته عن رجل كذب فى شهر رمضان فقال: قد
و لو تبيّن بعد هذ الوضوء كونه محدثاً باحد النواقض المعلومة كفى و
لايجب عليه ثانياً (1) كماانه لو توضأ احتياطاً لاحتمال حدوث الحدث،
ثم تبين كونه محدثاً كفى و لايجب ثانياً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أفطر وعليه قضائه و هو صائم يقضى صومه ووضوئه اذا تعمّد(396)
و منها مارواه الصدوق باسناده عن رسول اللّه ((صلى الله عليه وآله)) (فى حديث) قال:
و من اغتاب اخاه المسلم بطل صومه و نقض وضوئه فان مات و هو كذلك،
مات و هو مستحلّ لما حرّم اللّه(397)
و لم يفت احد من الخاصة و العامة بأن الغيبة موجبة لنقض الوضوء،
فلامجال للحمل على التقية و لا لارادة معنى حقيقى النقض فلابد من ان
يحمل على معنى الحزازة و المنقصة.
(1) ان قلنا باستحباب الوضوء، فكفايته واضح لانه قصد اطاعة اللّه، و اما
إن قلنا: بعدم ثبوت ذلك و احتملنا الحمل على التقيه فهل يكفى اتيانه برجاء
الأمر ام لا؟ الظاهر هو الأول لانه قصد امتثال الامر المحتمل و كان الأمر فى
الواقع موجوداً، فقصده ولو رجاء يكفى فى تحقق الامتثال.
ان قلت: المكلف يقصد امتثال الاستحبابى على الاول و يقصد امتثال
الامر الاستحبابى الاحتمالى على الثانى، فماقصد من امتثال الامر الاستحبابى
لم يقع و ما وقع و هوالأمرالوجوبى برفع الحدث لم يقصد فكيف يكفى فى
رفع الحدث؟
قلت:يكفى فى صحة العبادة قصدامرالمولى جزماًاواحتمالا و لايعتبر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيها قصد الوجوب او الاستحباب كما تدل على ذلك صحيحة يونس بن
عمار عن ابى عبدالله ((عليه السلام)) قال: قيل له و أنا حاضر: الرجل يكون فى
صلاته خالياً فيدخله العجب؟ فقال:اذاكان فى أوّل صلاته بنية يريدبها ربه،
فلايضره ما دخله بعد ذلك، فليمض فى صلاته وليخسأ الشيطان(398)
و المستفاد منها انه يكفى فى صحة العبادة ان يكون الداعى امتثال امر
المولى بلافرق بين الوجوبى و الاستحبابى.
و قد ظهر مماذكرنا ضعف ماأفاده السّيد الحكيم ((قدس سره)) قال: امّا لوجاء به
برجاء المطلوبية الاستحبابية بقيد كونها كذلك، اشكلت صحة الوضوء لولم
يثبت الاستحباب لأن احتمال عدم الاستحباب واقعاً، يستلزم احتمال عدم
التقرب واقعاً المعتبر فى الوضوء ولابد من احراز ذلك فى صحة الوضوء.
توضيح الضعف ان المقام من باب تخلف الداعى فان داعيه كان امتثال
الامر الاستحبابى و هو مفقود و الموجود هو الامر الوجوبى و هو يكفى فى
حصول التقرب نعم لوكان الأمر منتفياً راساً لم يحصل التقرب الا بناءً على ان
الانقياد موجب للقرب.
ثم ان السيد الاستاذ قال: ان الوجوب و الاستحباب صفتان للامر الصادر
من المولى و ليسا من أوصاف العمل المأمور به، فتقييد العمل باحدهما
لامعنى محصل له.
فصل
فى غايات الوضوءات الواجبة و غير الواجبة
فان الوضوء امّا شرط فى صحّة فعل كالصلاة و الطواف(1)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للامر فان الذى بالحمل الشايع واجب او مستحب هو فعل المكلّف و هو
المأمور به ولامعنى للقول: بان الأمر بالصّلاة واجب فانه فعل المولى و
لامعنى لان يتصف بالوجوب بل الصحيح ان يقال: ان الصلاة واجبة و الصوم
واجب لاأن الامر بالصوم واجب. فلوقصد المكلف انه يأتى بالمستحب
بماهو مستحب و لم يكن مستحباً بل كان واجباً كفى فى رفع الحدث و
حصول التقرب.
(1) فان الوضوء شرط لصحة الصلاة والطواف و لايكون شرطالوجو بهما،
والنصوص الدالة على ذلك كثيرة جداً: بل متواترة معنىً.
منها صحيحة زرارة عن ابى جعفر ((عليهما السلام)): لاصلاة الابطهور(399)
و منها صحيحة اخرى عن زرارة عن ابى جعفر ((عليهما السلام)) انه قال: لاتعاد
الصلاة الا من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود(400)
و منها مارواه مسعدة بن صدقة ان قائلا قال لجعفر بن محمد ((عليهما السلام))
جعلت فداك انى أمرّ بقوم ناصبية و قداقيمت لهم الصلاة و انا على غير
وضوء فان لم ادخل معهم فى الصّلاة قالوا ماشاء وا ان يقولوا، أفأصلى معهم
ثم اتوضأ اذا انصرفت و أصلّى؟ فقال جعفر بن محمد ((عليهما السلام)): سبحان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللّه أفمايخاف من يصلى من غير وضوء أن تأخذه الأرض خسفاً(401)
و منها صحيحة صفوان الجمال عن ابى عبدالله ((عليه السلام)) قال أقعد رجل
من الأحبار فى قبره، فقيل له:انا جالدوك مأة جلدة من عذاب الله (عزو جل)
فقال: لااطيقها، فلم يزالوا به حتى انتهوا الى جلدة واحدة، فقال: لااطيقها،
فقالوا: ليس منها بدّ، فقال: فيما تجلدونيها؟ قالوا نجلدك انك صلّيت يوماً
بغير وضوء و مررت على ضعيف فلم تنصره فجلّدوه جلدة من عذاب اللّه،
فامتلاء قبره ناراً(402)
و امّا الطّواف فان كان واجباً فهو أيضا مشروط بالطهارة و هو من
المسلّمات وتدل عليه النصوص الكثيرة منها صحيحة على بن جعفر عن
أخيه ابى الحسن ((عليهما السلام)) قال: سألته عن رجل طاف بالبيت و هو جنب فذكر
و هو فى الطواف؟ قال: يقطع الطّواف و لايعتد بشئ مماطاف و سألته عن
رجل طاف ثم ذكر أنه على غير وضوء؟ قال: يقطع طوافه و لايعتد به(403)
و كان على الماتن ان يقيّد الطواف بالواجب لأن الطواف نافلة يصح
بلاوضوء كما تدل على ذلك صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أحدهما
((عليهما السلام)) عن رجل طاف طواف الفريضة و هو على غير طهور؟ قال: يتوضأ و
يعيد طوافه، و ان كان تطوّعاً توضأ و صلّى ركعتين(404)
ففرق بين الصلاة و الطواف فانها مطلقا مشروطة بالطهارة بلافرق بين
وإمّا شرط فى كماله كقرائة القرءان (1)و اما شرط فى جوازه كمس كتابة
القرءان (2)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفريضة و النافلة بخلاف الطواف فانه ان كان واجباً كان مشروطا بالطهارة و
ان كان مستحباً يصح بلاطهور ولكن صلاته مشروطة بالطهارة مطلقاً.
(1) لمارواه احمد بن فهد فى عدة الدّاعى قال: قال ((عليه السلام)) لقارىء
القرءان بكل حرف يقرء فى الصلاة قائماً مأة حسنة و قاعدا خمسون حسنة
ومتطهراً فى غير صلاة خمس و عشرون حسنة و غير متطهر عشر حسنات(405)
و لمارواه محمد بن الفضيل عن أبى الحسن ((عليه السلام)) قال: سألته اقرأ
المصحف ثم يأخذنى البول، فأقوم فأبول و أستنجى و اغسل يدى و اعود
الى المصحف واقرأ فيه؟ قال: لا، حتى تتوضأ للصلاة(406)
و لمارواه الصدوق عن على ((عليه السلام)) فى حديث الأربعمأة قال: لايقرأ
العبد القرءان اذا كان على غير طهور حتى يتطهر(407)
لايخفى ان القول بالاستحباب هنا مبنى على التسامح فى ادلة السنن لأنّ
اسنادها ضعيفة، فالنهى عن القرائة بغير طهور يحمل على الكراهة وهى فى
العبادات بمعنى اقلية الثواب، و القرائة مع الطهارة تكون افضل و اكمل.
و أمّا ان لم نقل بالتسامح فيها، فالوضوء يؤتى به برجاء المطلوبية لابقصد
الاستحباب.
(2) فان مس كتابة القرءان بلاوضوء لايجوز كما تدل على ذلك موثقة ابى
بصير قال: سألت اباعبدالله ((عليه السلام)) عمن قرأ فى المصحف و هو على غير
او رافع لكراهته كالأكل (1)او شرط فى تحقق أمره كالوضوء للكون على
الطهارة (2) او ليس له غاية كالوضوء الواجب بالنذر (3)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وضوء؟ قال: لابأس و لايمسّ الكتاب(408)
(1) لادليل على كراهة الأكل بلاوضوء مطلقا بل الكراهة مختصة بالجنب،
نعم ورد فى بعض الروايات الوضوء قبل الطعام و بعده كصحيحة ابى حمزة
عن ابى جعفر ((عليهما السلام)) قال قال: يا اباحمزة الوضوء قبل الطعام وبعده
يذيبان الفقر، قلت: بابى و أمى يذهبان الفقر؟ فقال يذيبان(409)
و بمضمونها روايات اخرى والمراد منها ليس الوضوء المصطلح بل
المراد هو غسل اليدين قبل الطعام و بعده و لادلالة لها على كراهة تركه.
و يدل عليه مارواه هشام بن سالم عن جعفر بن محمد عن آبائه قال: قال
رسول اللّه ((صلى الله عليه وآله)) من سرّه أن يكثر خير بيته، فليتوضأ عند حضور طعامه و
من توضأ قبل الطعام و بعده، عاش فى سعة من رزقه و عوفى من البلاء فى
جسده،(410) و زاد الموسوى (و هو الواقع فى السند) فى حديثه قال هشام قال
لى الصادق ((عليه السلام)): الوضوء ههنا غسل اليدين قبل الطعام و بعده(411)
(2) فانه يترتب بالمحدث بالحدث الأصغر و اما من لم يكن محدثاً
فلايترتب على وضوئه الكون على الطهارة.
(3) استشكل السيد الاستاذ على ماافاده الماتن بان نذر الوضوء يتوقف
صحته على ان يكون الوضوء مستحبا فى نفسه لوضوح ان النذر لايشرع به
و الوضوء المستحب نفساً ان قلنا به كما لايبعد(1)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ماليس بمشروع فى نفسه فلامناص من ان يكون متعلقه راجحاً و مشروعاً مع
قطع النظر من النذر المتعلق به و مالم يثبت رجحانه كذلك، لم يصح نذره
اذاً لامعنى لعدّ ذلك قسماً آخر فى مقابل الوضوء المستحب نفساً.
اقول: الظاهر ان هذا الاشكال غير وارد على المتن لان استحبابه النفسى
يكون موضوعاً لصحة النذر فاذا نذره يصير واجبا فهو ليس بمستحب فيكون
قسيماله، فلنا ان نقول، الوضوء اما واجب كمتعلق النذر و اما مستحب و هو
ماليس مقدمة للواجب كالوضوء المستحب فى نفسه، فاستحبابه النفسى
حيث أنه موجب لصحة النذر، لايوجب أن يكون المنذور قسماً من
المستحب.
(1) اختلف الاصحاب فى استحباب الوضوء نفسا فى قبال كونه سبباً
لحصول الطهارة، يظهر من الاكثر استحبابه للكون على الطهارة، و الماتن و
السيد الاستاذ الخوئى (قدس سرهما) ذهبا الى استحبابه فى نفسه.
و استدل الاستاذ لذلك بقوله تعالى: ان الله يحب التوابين و يحب
المتطهرين ، فالطهارة محبوبة لله تعالى و لامعنى لحبه الا امره و بعثه، فتكون
الطهارات الثلاث و هى الوضوء و الغسل و التيّمم مصداقاً للطهارة و ليس
المراد من الوضوء هو المعنى المصدرى الذى يوجد و ينصرم بل المراد هو
الوضوء الذى اعتبره الشارع باقيا و مستمراً كما هو المستفاد من النصوص.
منها صحيحة زرارة الرجل ينام و هوعلى وضوء(412) فانه لولم يعتبراستمراره
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لايصح هذا التعبير، و هو كقوله تعالى، ان كنتم مرضى او على سفر(413) الى
آخر ماافاده ((قدس سره))
أقول هذا الاختلاف لايترتب عليه ثمرة مهمة فان الوضوء سبب لحصول
الطهارة فاذا ارتفع الحدث بالوضوء قام مقامه الطهارة و قد يعبّر عن المتطهر
انه على وضوء وقد يعبر انه على طهور كما يستفاد ذلك من صحيحة محمد
بن مسلم قال: سألت أحدهما ((عليهما السلام)) عن رجل طاف طواف الفريضة و هو
على غير طهور قال: يتوضأ و يعيد طوافه(414)
و صحيحة على بن جعفر عن اخيه ابى الحسن ((عليه السلام)) سألته عن رجل
طاف ثم ذكر انه على غير وضوء؟ قال:يقطع طوافه و لايعتد به(415)
لااشكال فى ان الطهور يطلق على الوضوء و بالعكس انما الكلام فى
انهماامر واحداو امران احدهما مترتب على الآخر؟ أصرّ السيدالاستاذ((قدس سره))
على مافى التنقيح من انهما امر واحد و ليست الطهارة مسببة عن الوضوء و
كذا الكلام فى الغسل و التّيمم.
قال الاستاذ ((قدس سره)) ان قصد الكون على الطهارة هو بعينه قصد الكون على
الوضوء، لاانه قصد أمر آخر مترتب على الوضوء لماعرفت من ان الوضوء
هو بنفسه طهارة، لا ان الطهارة امر يترتب على الوضوء، فمن قصد الوضوء
فقد قصد الكون عليه، فلاوجه لعدّ الكون على الطهارة من الغايات المترتبة
أمّا الغايات للوضوء الواجب، فيجب للصلاة الواجبة (1) اداءً او قضاء عن
النفس او الغير.و لاجزائها المنسية (2)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على الوضوء.
اقول: التحقيق يقتضى ان يقال: ان الطهارة أمر مسبب من الوضوء والغسل
والتيمم و ليست متحدة معها، الدليل على ذلك أن الحدث قديكون ناقضا