الرّابع أنه لو كانت الارض ملكا لطبيعى الامة، لم تشملها الآية الكريمة على اساس
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الوسائل ج 6، ب 8 من ابواب ما يجب فيه الخمس حديث 5، ص 350.
2- الوسائل ج 6، ب 1 من ابواب الانفال، حديث 3، ص 365.
10
انّه لايصدق عنوان المفيد والمستفيد على كل من استولى عليها بعنوة وهراقة دم، مع ان
ظاهر الآية هو ان المستولين هم الغانمون والمستفيدون، وهذا بخلاف ما اذا كانت ملكا
لأحاد الأمة، فانه على هذا يصدق عنوان المفيد والمستفيد على كل من استولى عليها
بعنوة، غاية الأمر ان ما استولى عليه كذلك، قد يرجع تمامه اليه كما اذا كان منقولا، وقد
يرجع اليه بعضه مشاعاً، كما اذا كان غير منقول كالارض كل ذلك لا يوجب التفاوت فى
صدق عنوان المزبور عليه. ولعلّ القول بعدم شمول الآية للارض المفتوحة عنوة، مبنى
على أساس القول بملكيتها للطبيعى، لاللافراد(1).
والجواب عن هذه المناقشة ايضاً قد ظهر مما اجبنا به عن المناقشة الأولى، فانه لم
يؤخذ فى مفهوم الغنيمة ان يكون الغانم هو المستفيد منها كما عرفت، هذا اولا.
وثانياً ان ما ذكره من ان ما استولى عليه كذلك، قد يرجع تمامه اليه كما اذا كان
منقولا، لايتم، فانّ صفاياء الغنيمة والخمس لا ترجع الى الغانمين، بل قد لا يرجع اليهم
شىء منها كما اذا كانت الغنيمة مأخوذة بالقتال بلا اذن من الامام(ع) فان كلها له(ع)
فعليه لا مانع من صدق الغنيمة على الأراضى المفتوحة عنوة، وان كانت ملكاً
لطبيعى الامة، لا الافراد بنحو المشاع.
وثالثا: قد تكون الغنيمة من المنقولات المأخوذة من الكفار بالقتال باذن الامام
(ع)، و مع ذلك لا يرجع شىء منها الى الغانمين، كما تدل عليه صحيحة زرارة قال: الامام
يجرى وينفل ويعطى مايشاء قبل ان تقع السهام، وقد قاتل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بقوم لم
يجعل لهم فى الفىء نصيباً، وان شاء قسّم ذلك بينهم.(2)
وهى تدلّ على أن تقسيم الغنيمة بينهم رخصة لا عزيمة.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الأراضى، ص 221.
2- الوسائل ج 6، ب 1 من أبواب الأنفال، حديث 2، ص 365.
11
ويمكن ان يقال: ان المستفاد من هذه الصّحيحة بضمها الى بقية النصوص الواردة
فى الغنيمة، ان التخميس مقدمة للتقسيم فكلّما أراد ولى الامر تقسيمها خمّسها اولا ثم
قسّمها، وفى كل مورد لم يكن التقسيم مشروعاً كما فى الاراضى المفتوحة عنوة او كان
مشروعاً ولم يرده كما فى مورد هذه الصحيحة لم يتعرض للتخميس ايضاً، فاذاً لا يكون
عدم التعرض له فى الاراضى دليلا على عدم وجوبه فيها.
ثم انّ صاحب الجواهر قدس سره قال: (إن تلك الأخبار الواردة فى المفتوحة
عنوة وانها ملك للمسلمين، وكيفية خراجها لاتأبى التقييد بما هنا من كون ذلك بعد
الخمس، كما صرح به الشيخ فى نهايته، بل هو ظاهر الاصحاب، بل كأنه من المسلّمات
عندهم).(1)
وإستشكل عليه سيد نا الاستاذ قدس سره، بأنه غير قابل للتصديق ضرورة انّ
نصوص الخراج أخص من آية الغنيمة فان النسبة بين، الدليلين عموم و خصوص مطلق
ولا شك أنّ إطلاق الخاص مقدّم على إطلاق العام، ومع الغض عن ذلك، وتسليم كون
النسبة بين الدليلين عموماً من وجه بدعوى ان الآية تعم المنقول و غيره، وتختصّ
بالخمس، كما أنّ نصوص الخراج تختصّ بغير المنقول وتعّم مقدار الخمس و غيره اى
تشمل جميع المال، فغايته انه يتعارض الدليلان فى مورد الاجتماع اعنى الخمس من غير
المنقول، فان مقتضى اطلاق الآية وجوبه و مقتضى اطلاق تلك النصوص عدمه
فيتساقطان لعدم الترجيح، اذ عموم الكتاب انما يتقدم على عموم السنة لدى المعارضة
فيما اذا لم تكن قطعية، كعموم خبر الواحد.
امّا السنة القطعية كما فى المقام، فهى تعادل قطعية الكتاب، فاذاً يرجع بعد
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الجواهر، ج 16، ص 9.
12
التساقط، الى أصالة البرائة عن الخمس.
ويمكن الجواب عن ذلك اوّلا بأن السّنة القطعية اذا كان تواترها لفظياً بان كانت
الجملة الواحدة صادرة من المعصوم قطعاً، مثل قوله: (الأراضى المفتوحة عنوة لعامة
المسلمين) او قوله فى مرسلة حماد الطويلة:(والارضون الّتى اخذت عنوة بخيل او
ركاب، فهى موقوفة متروكة فى يدى من يعمرها ويحييها، ويقوم عليها)(1)
كان لما ذكر قدس سره مجال، ولكنّ الأمر ليس كذلك، فانّا نعلم اجمالا بان بعض
النصوص الواردة فى الاراضى المفتوحة عنوة صادر عن المعصوم، فكل واحد منها اذا
عارض الكتاب بالعموم من وجه يعدّ مخالفاً للكتاب فيسقط عن الاعتبار.
بل لو كانت الجملة الواحدة صادرة عن المعصوم جزماً وكانت مخالفة للكتاب
بالعموم من وجه او بالتبّاين كانت ساقطة عن الاعتبار ايضاً لعدم العلم بجهة الصدور
وللروايات الكثيرة الدالة على ان ما خالف كتاب الله زخرف او دعوه او لم نقله ونحوها(2)
وثانياً أن فى نصوص الاراضى الخراجية، مالا ينافى اطلاق آية الغنيمة مثل ما
رواه صفوان بن يحى وأحمد بن محمد ابن أبي نصر جميعاً (الى ان قال): وما اخذ بالسيف
فذلك الى الامام يقبّله بالذى يرى الخ(3) فانها تدل على ان ما اخذ بالسيف عنوة كلها الى
الامام(ع) يقبلها بالذى يرى، ولا دلالة فيها على نفى الخمس فان الغنائم المنقولة، ان اراد
الامام(ع) تقسيمها بين المقاتلين يأخذ خمسها أوّلا ثم يقسّم أربعة اخماسها وأما
الاراضى، فكلّها بيد الامام (ع)، فله أن يأخذ خمسها وهو حقّه(ع) ويصرفه لليتامى
والمساكين وابن السبيل وله ان لا يأخذه ويقبّل كلّها ويصرف خراجها لمصالح المسلمين
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الوسائل ج 11، ص 5.
2- الوسائل ج 18، ب 9 من ابواب صفات القاضى.
3- الوسائل ج 11، ب 72، من أبواب جهاد العدو و مايناسبه ج 1، ص 120.
13
فانه(ع) ولي الامر، وله ان يتصرف فيها على اى نحو شاء، ولعل هذه هى النكته فى عدم
التعرض فى الرّوايات لخمس الارض المفتوحة عنوة.
على أن الجهاد فى اكثر الموارد كان يوجب اغتنام الأموال المنقولة فلهذا كانت
الروايات متعرضة لاحكامها من التخميس والتقسيم، والاراضى المفتوحة عنوة لم تكن
كثيرة ولكنّ العمدة هى الوجه الأوّل.
ثم قال الاستاذ قدس سره: (نعم هى غنيمة بمعنى آخر، اى يستفيد منها المقاتل بما
أنه مسلم، لكن الغنيمة بهذا المعنى لاخمس فيها لوجهين:
أمّا اوّلا فلاختصاص ادلة الخمس بالغنائم الشخصية ومايكون ملكا لشخص
الغانم، لا ما هو ملك للعنوان الكلى، كما فى الأراضى الخراجية حيث إنها لم تكن ملكاً
لاى فرد من آحاد المسلمين، وانما ينتفع منها المسلم بإزاء دفع الخراج، من غيران يملك
رقبتها، بل المالك هو العنوان الكلى العام.
والمشهور انما ذهبوا الى التخميس فى الأراضى الخراجية، زعماً منهم أنها غنيمة
للمقاتلين، لا باعتبار كونها غنيمة لعامّة المسلمين كما لا يخفى.
الجواب عن ذلك، أن ما أفاده(قدس سره) لا يخلو عن المصادرة، فان النزاع انّما هو فى أن
الاراضى الخراجية، مع انّها ليست ملكاً للمقاتلين، بل ملك لعامة المسلمين، هل فيها
الخمس ام لا؟ فالقول بان اختصاص ادلة الخمس بالغنائم الشخصية، دليل على عدم
الخمس فى الاراضى الخراجية، مصادرة; فانا نقول: لااختصاص لآية الخمس(1)
والروايات بالغنائم الشخصية.
منها صحيحة عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبدالله(عليه السلام)يقول: ليس الخمس الاّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- واعلموا انما غنمتم من شىء فان لله خمسه و للرسول و لذى القربى: سورة الانفال الآية: 41
14
فى الغنائم خاصة(1) وانت ترى ان آية الخمس مطلقة تشمل الاراضى وغيرها والصّحيحة
مشتملة على الجمع المحلى باللام وهو يشمل مطلق الغنيمة أرضاً كانت أو غيرها.
والرّوايات المتعرضة لتقسيم الغنائم المنقولة وتخميسها، لا يوجب تخصيص
الآية والرّوايات العامة بغير الاراضى المفتوحة عنوة، فان أصالة الاطلاق والعموم محكّمة
فيها كما تقدم.
ودعوى أنّ المشهور إنما ذهبوا الى التخميس فى الاراضى الخراجية، زعماً منهم
الخ، لا شاهد عليها، بل الشاهد على خلافها، فان المشهور انما ذهبوا الى التخميس، مع
اعتقاد هم أن الاراضى الخراجية، ملك لعامّة المسلمين، و لم يقل احد منهم انها ملك
للغانمين.
ثم قال سيدنا الأستاذ: وامّا ثانياً فلا جل ان قولهم: لا خمس الابعد المؤونة يكشف
عن اختصاصه بمال تصرف المؤونة فى سبيل تحصيله، وهو كما ترى خاص بالملك
الشخصى، اذ لا معنى لاخراج المؤونة فيما يكون المالك هو العنوان الكلى العام.
والجواب أن الحصراضا فى و ناظر الى الارباح والغنائم الّتى تصرف المؤونة فى
سبيل تحصيلها، وليس معناه أنه مالا مؤونة له، لا خمس فيه حتى يخرج الحلال المخلوط
بالحرام، والارض الّتى اشتراها الذمى من مسلم، والهدايا والهبات التى تزيد على
المؤونة، فان شيئاً منها لم تصرف المؤونة فى سبيل تحصيلها، ومن الواضح ان صرف
المؤونة فى سبيل التحصيل، ليس شرطاً لوجوب الخمس، حتى يقال: إن الاراضى
الخراجية، حيث لم تصرف المؤونة فى سبيل تحصيلها ليس فيها الخمس.
بل قد يتفق صرف المؤونة فى حفظ الاراضى الخراجية ايضاً، كما اذا توجه اليها
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الوسائل ج 6، ب 2، من ابواب ما يجب فيه الخمس حديث 1، ص 338.
15
السيل، وكان دفعه بحاجة الى المؤونة، فلا مجال للقول: بأنه لا معنى لاخراج المؤونة فيما
يكون المالك هو العنوان الكلى العام مع انه سوف يجئ ان المراد من المؤونة، هى مؤونة
السنة لا مؤونة الاستغنام.
الخامس أن صدق الغنيمة على شيىء لشخص أو جماعة متوقف على تحقق
مجموع الاضافتين: احديهما ان يكون ذلك الشىء عائداً اليه.
والأخرى أن يكون هو الغانم والمتغلّب والآخذ، وهذا لايصدق الاّ على الغنائم
المنقولة العائدة الى المقاتلين، لأن غير المنقولة اعنى الاراضى ونحوها، حيث انها لا
ترجع الى المقاتلين، فلا تكون مشمولة لإطلاق ما غنمتم، لا باعتباره غنيمة للمقاتلين،
لانتفاء الاضافة الاولى، ولا باعتباره غنيمة للمسلمين عامة، لانتفاء الاضافة الثانية.
الجواب عن ذلك يظهر مما قد مناه، و حاصله انه على هذا يلزم ان لايكون صفايا
الغنيمة داخلة فيها لا نها لاترجع الى المقاتلين، وان لا يكون المجروح او الضعيف الذى
لا يقدر على أخذ الغنيمة شريكا فيها، لعدم كونه الغانم والمتغلب والآخذ وأن لا يكون ما
يأخذه المقاتلون من الكفار بلا اذن من الامام(ع) غنيمة، لعدم عوده اليهم، بل يكون كله
للامام(ع) كما تدل على ذلك صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة، وقد اطلق عليه الغنيمة
بلا عناية، وحيث أنه لا يقسّم بين الغانمين، لم يتعرض لتخميسه لما تقدم منا انّ التخميس
مقدمة للتّقسيم.
السادس أنّ ظاهر اضافة ملكية شىء الى جماعة او الضمير، ارادة الملك
الشخصى لهم، ولو على نحو الا شاعة، واما مالايكون ملكاً لهم، وانما هو ملك لجهة
وعنوان اعتبارى حقوقى، منطبق عليهم، فهو غير مشمول لاطلاق هذه الإضافة جزماً،
لكونه فردا عنائياً لا حقيقياً، فيكون بحاجة الى قرنية تدل عليه، كما فى أدلّة الاراضى
الخراجية، فانه قد ثبت فى محله، أنها ليست ملكاً لأفراد المسلمين بنحو الاشاعة، وانما
16
هى ملك للعنوان الاعتبارى و هو ليس مسلماً بالحمل الشايع، فلا يمكن ان يكون
مشمولا لاطلاق ما غنمتم، الا اذا أريد بالغنم مجرد فعل الاستيلاء والأخذ من الكفار
الذى يصدق على عمل المقاتلين.
ويؤكّد ذلك، أن وجوب الخمس، وان كان مستلزما لحكم وضعى بانتقال مقدار
خمس المال الى صاحب الخمس، وهو يمكن أن يتعلق بالأموال العامة أيضاً، الا انه من
ناحية اخرى، مستبطن لحكم تكليفى بوجوب الدفع والاداء، بقطع النظر عن الحكم
الوضعى، ولهذا كان الخمس، والزكاة، واجبين عباديين، ثابتين فى باب الامول، ولو لم
نقل بثبوت الحكم الوضعى، وتعلّقهما بعين المال، ومن الواضح أن هذا لحكم التكليفى،
انما يتعلّق با لافراد الحقيقيين، وهم المكلفون، لا العناوين والجهات الحقوقية الا عتبارية
بما هى كذلك.
الجواب عنه يظهر مما تقدمّ منا، من أن الغنيمة تصدق على ما استولى عليه
المسلمون من اموال الكفار مطلقا، سواء كان منقولا او غير منقول، ولايصح سلب الغنيمة
عن الاراضى و الدّور والحوانيت و امثالها، وهو شاهد على أن قوله تعالى: (ما غنمتم)
ليس ظاهراً فى الملكية الشخصية، بل ظاهر فى ما استولى عليه المسلمون سواء كان