مستعدة بن زياد عن جعفر بن محمد الصّادق عن أبيه(عليهما السلام)قال: قال مروابن الحكم: لما
هزمنا على(عليه السلام)بالبصرة ردّ على الناس اموالهم من أقام بينة أعطاه، ومن لم يقم بينة،
أحلفه(1)
وفيه أنه قد ورد روايات عديدة على أنه(عليه السلام) قسّم المغنم اولا بين المقاتلين: منها
ما رواه فى المستدرك عن الدعائم (روينا عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) أنه لما هزم أهل الجمل،
جمع كل ما أصاب فى عسكرهم ممّا اجلبوا به عليه فخمّسه، وقسّم اربعة اخماسه على
اصحابه، ومضى، فلما صار الى البصرة، قال أصحابه: يا أميرالمؤمنين، إقسم بيننا ذراريهم
واموالهم، قال (عليه السلام): ليس لكم ذلك، قالوا: كيف أحللت لنا دمائهم، ولم تحلّل لناسبى
ذراريهم؟ قال (عليه السلام): حاربَنا الرّجال، فقتلنا، فامّا النساء فلا سبيل لنا عليهن،
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الوسائل ج 11، ب 25 من أبواب جهاد العدو، حديث 5، ص 58.
45
لانهن مسلمات وفى دارالهجرة، فليس عليهن من سبيل، وما أجلبوا به عليكم واستعانوا
به على حربكم وضمّه عسكرهم وحواه، فهو لكم، وما كان فى دورهم، فهو ميراث على
فرائض الله(1)
ومنها ما عن شرح الأخبار لصاحب الدعائم فى حديث: (وكان على(عليه السلام)قد أغنم
أصحابه، ما أجلب به اهل البصرة الى قتاله، اجلبوا به يعنى اتوابه فى عسكرهم، ولم
يعرض لشيئ غير ذلك، لورثتهم، وخمّس ما أغنمه ممّا أجلبوا به عليه، فجرت أيضاً
بذلك السنة.
ومنها ما ورد فى حديث آخر: فأمر على(عليه السلام)مناديا ينادى وما كان بالعسكر، فهو
لكم مغنم، وما كان فى الدّور، فهو ميراث، يقسّم بينهم.
ومنها ماورد فى المختلف عن الحسن بن أبي عقيل: (روى ان رجلا من
عبدالقيس، قام يوم الجمل، فقال: يااميرالمؤمنين، ما عدلت حين تقسم بيننا اموالهم
ولاتقسم بيننا نسائهم، ولا أبنائهم، فقال له: ان كنت كاذباً فلا أماتك الله حتى تدرك غلام
ثقيف، وذلك ان دارالهجرة حرمت ما فيها، ودارالشرك أحلّت ما فيها، فايكم يأخذ اُمّه
من سهمه.
وعن العلاّمة فى المختلف، أنه قال بعد نقل هذالحديث: (لنا ما رواه ابن ابي عقيل،
وهو شيخ من علمائنا، تقبل مراسيله لعلمه و عدالته).
ومنها ماورد فى محاجة أهل النهروان، مع أميرالمؤمنين(عليه السلام) عن كتاب الهداية
للحسين بن حمدان (قلت لنا يوم الجمل: لا تقتلوهم مولّين واحلّلت لنا سبي الكراع
والسلاح والذرارى، فما العلّة فيما اختلف فيه الحكمان الحديث.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- المستدرك ج 2، ب 23 من ابواب جهاد العدو، حديث 1.
46
فالمستفاد منها وغيرها مما يصل اليه المتتبع ان التقسيم لما حواه العسكر قد
تحقق جزماً وقد افتى بجوازه عدة من الاكابر، منهم الشيخ فى الخلاف، حيث حكى عنه
انه قال: ما يحويه عسكر البغاة، يجوز اخذه والانتفاع به، ويكون غنيمة يقسّم فى
المقاتلة.
وعنه فى باب قتال اهل البغى من النهاية: (ولا يجوز سبيى الذرارى، على حال
ويجوز للامام أن يأخذ من اموالهم، ما حوى العسكر، ويقسّم على المقاتلة.
وعن السيد أبي المكارم بن زهرة فى الغنية: (ولا يغنم ممّن أظهر الاسلام و من
البغاة والمحاربين، الاّ ما حواه العسكر من الأموال و الأمتعة الّتى تخصّهم، كلّ ذلك
بدليل الاجماع المشار اليه).
وعن العلاّمة فى المختلف: (قال ابن أبي عقيل: يقسّم أموالهم الّتى حواها
العسكر).
وجوّز ابن الجنيد قسمة ما حواه العسكر ايضاً وهو اختيار ابن البراج وابي صلاح
وعن المسالك: (القول بالجواز للاكثر، ومنهم المصنف والعلاّمة فى المختلف، ومن
حججهم سيرة على(عليه السلام) فى اهل الجمل، فانه قسّمه بين المقاتلين، ثم ردّه على أربابه).
فقد ظهر مما ذكرنا أن أخذ مال النّاصبى، جائز، وهل يخمّس فوراً أو بعد المؤونة؟ الظاهر
هو الاّول ، فانه لو صرف فى المؤونة، لم يدفع خمسه، فيلزم عدم إمتثال قوله(ع): وادفع
الينا خمسه.
وقد يقال: إن قوله: الخمس بعد المؤونة حاكم على الحديث المذكور، فانّه ناظر اليه
وشارح له.
ويردّه أن مادلّ على ذلك،ناظرالى خمس الفوائد المطلقة ولا يشمل ما ثبت فيه
الخمس بعنوان خاص: كمال الناصب والمعدن والكنز والغوص والغنيمة.
47
إن قلت: مادّل على أن الخمس بعد المؤونة مطلق، ومقتضاه استثناء المؤونة من
كل ما وجب فيه الخمس، سواء كان معدنا او كنزا او غوصاً او مأخوذا من الناصب مثلا
ودعوى أنه ناظر الى الفوائد المطلقة تحتاج الى القرينة ولا قرنية على ذلك.
قلت: الخمس المتعلق بالضياع والصنعة والتجارة بل جميع ما يستفيد الرجل من
قليل او كثير قد قيّد ببعد المؤونة كما فى النّصوص(1) فما دل باطلاقه على أن الخمس بعد
المؤونة كصحيحة إبن أبي نصر و صحيحة إبراهيم الهمدانى مثلا(2) يحمل عل المقيّد فى
النصوص المشار اليها وهو معنى قولنا: إن الاطلاق ناظر الى خمس الفوائد.
ولو تنزلنا عن ذلك وقلنا بعدم الحمل فى ما اذا كان كل من المقيد والمطلق مثبتاً
فنقول ان مقتضى الاطلاق فى قوله(ع): (الخمس بعدالمؤونة) وحكومته على ادلة
الخمس حتى بالنسبة الى المعدن والكنز والمأخوذ من الناصب وامثالها ـ وان كان تقييدها
بمؤونة السنة ـ الا أنّ السيرة القطعية قائمة على ان هذا القسم من الخمس، ملحق بالخمس
فى الغنائم الحربية فى عدم استثناء مؤونة السنة منها.
ولكن سيدنا الاستاذ الخوئى(قدس سره) قد أجاب بنحو آخر: قال: (بل يكفينا مجرد
الشك فى ذلك، والتردد فى أن مادلّ على أن الخمس بعد المؤونة، هل يختص بالخمس
بعنوان الفائدة وارباح المكاسب، اوانه يعمّ مثل المقام نظرا الى أنّ الحكم الوضعى ـ اعنى
تعلق الخمس بالمال وكون جزء من خمسة اجزائه ملكا للامام(ع) ثابت منذ التسلّط عليه
على اى حال من غير شبهة واشكال غاية الأمر، قيام الدليل على جواز التأخير والتصرف
فى تمام المال الى نهاية السنة تسهيلا وارفاقا منهم(عليهم السلام)
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الوسائل ج 6، ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، حديث: 1،2،3،4،5.
2- الوسائل ج 6، ب 12 من ابواب ما يجب فيه الخمس، حديث: 1، 2، ص 354.
48
وكذا الأحوط اخراج الخمس مما حواه العسكر من مال البغاة
وأنه لاخمس الا فى الفاضل عن مؤونة السنة، حيث قد ثبت هذا الترخيص فى طائفة من
تلك الاموال الّتى تعلّق بها الخمس فاذا شك فى سعة هذا الدليل وضيقه وأنه هل يشمل
المال المأخوذ من الناصب او لا؟ كان المرجع أصالة عدم جواز التصرف فى ملك الغير،
اعنى الخمس المتعلق بالامام(عليه السلام) ، اذا التصرف يحتاج الى الدليل بعد فرض كونه ملكا
للغير كما عرفت. ومقتضى الأصل عدمه، ونتيجته وجوب التخميس ابتدأً من غير اخراج
مؤونة السنة، فيكون الحكم التكليفى ايضاً ثابتاً كالوضعى)(1)
وفيه أنه لا يمكن المساعدة عليه، فان المفروض أن قوله(ع) الخمس بعد المؤونة
مطلق ولسانه لسان الحكومة فاذا كان الدليل مطلقاً وشكّ فى اختصاصه بالخمس بعنوان
الفائدة ام لا؟ كان المرجع هى أصالة الاطلاق لا الرجوع الى الأصل العملى، فنقول: لو كان
مراده(ع) من قوله(ع): (الخمس بعد المؤونة) خمس الفائدة لابدّ من التقييد والبيان، فمن
عدمه نستكشف إطلاق موضوع حكمه فيكون اخراج الخمس بعد المؤونة حتى فيما اخذ
من الناصب.
وقد يقال: (اذا صدق فى مورد عنوان ربح المكسب او الفائدة، وصدق ايضاً عنوان
خاص كالمعدن أو الغنيمة أو الغوص وجب دفع الخمس فوراً، وحرم صرفه فى المؤونة،
باعتبار ان دليل الاستثناء يجوّز ذلك من حيث كونه ربحاً أو فائدة وهو لاينا فى حرمته
من حيث كونه معدناً أو غنيمة، فان العنوان المبيح، لا ينا فى العنوان غير المبيح كما هو
واضح.
وهذا ايضاً لا يمكن المساعدة عليه، فانّ الإطلاقين اذا تعارضابالعموم من وجه
وكان لسان احدهما لسان الحكومة يتقدم على الآخر، بلا فرق بين ان يكونا مشتملين
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 مستند العروة الوثقى ص 27.
49
اذا كانوا من النصّاب ودخلوا فى عنوانهم والاّ فيشكل حلّية مالهم(1)
على الالزام او الترخيص او بالاختلاف هذا اوّلا.
وثانياً إن اشتمال احد الاطلاقين على الالزام لايوجب ترجيحه على الآخر اصلا
فان التعارض مآله إلى التكاذب فى مقام الجعل سواء كان بالتباين أو العموم من وجه
فيتساقطان مع عدم الحكومة نعم فى باب التّزاحم لايتصور مزاحمة المباح للحرام ولكنه
اجنبى عن المقام.
فالمتحصل أنّ الاقوى اخراج خمس ما اخذ من الناصب بلا إخراج المؤونة
كالمعدن والغوص والكنز والغنيمة الحربية، والتخميس بعد إخراج مؤونة السنة مختص
بالفوائد والأرباح.
(1) لانّ الدليل على حلّية مال البغاة ان كانوا نصاباً، موجود، فيخمّس ثم يقسّم
بين المجاهدين، وامّا ان لم يكونوا جميعهم نصاباً بل بعضهم كان غير ناصب او جميعهم،
وكان خروجهم لطلب الرئاسة، أو حرصاً على حطام الدنيا، من غير ان يحمل بغض
أهل البيت، و ينصب العداوة لهم، فقد وقع الخلاف بينهم، فذهب جماعة من الأصحاب الى
أنهم إن لم يرجعوا الى طاعة الامام، حلّ ما حواه العسكر، وان رجعوا الى طاعته، ردّت
اليهم أموالهم، فعن الشيخ فى المبسوط: (اذا انقضت الحرب بين أهل العدل والبغى، اما
بالهزيمة أو بأن عادوا إلى طاعة الإمام، وقد كانوا أخذو الأموال واتلفوا وقتلوا نظرت فكل
من وجد عين ماله عند غيره كان احق به، سواء كانوا من اهل العدل او اهل البغى، لما رواه
ابن عباس ان النبيّى(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: المسلم اخو المسلم، لايحلّ دمه وماله ، الابطيبة من
نفسه، وروى أن علياً(عليه السلام)لما هزم الناس يوم الجمل، قالوا: يااميرالمؤمنين، الا تأخذ
اموالهم؟ قال: لا، لانهم تحرّموا بحرمة الاسلام، فلايحل اموالهم فى دارالهجرة. وروى
أبوقيس: أنّ علياً (ع) نادى، من وجد ماله فليأخذه، فمّر بنا رجل فعرف قدراً يطبخ فيها،
فسألناه أن يصبر حتى ينضج فلم يفعل، ورمى برجله ، فأخذها، وقد روى أصحابنا أن ما
50
يحويه العسكر من الأموال ، فانه يغنم وهذا يكون، اذا لم يرجعوا الى طاعة الامام، فأمّا ان
رجعوا الى طاعته فهم أحق باموالهم;) انتهى كلام الشيخ.
وعن السيد المرتضى فى الناصريات ـ بعد ما نقل عن الناصر تقسيم ما احتوت
عليه عساكر اهل البغى;: (هذا غير صحيح لأن أهل البغى، لايجوز غنيمة اموالهم
وقسمتها، كما تقسم اموال اهل الحرب، ولا أعلم خلافاً بين الفقهاء فى ذلك، ومرجع
الناس كلهم فى هذا الموضع، على ما قضى به أميرالمؤمنين(عليه السلام)فى محاربى البصرة
فانه(ع) منع من غنيمة اموالهم، فلمّا رُجع(ع) فى ذلك، قال: أيكم يأخذ عائشة فى سهمه؟
وليس يمنع ان يخالف حكم قتال اهل البغى، لقتال اهل دارالحرب، فى هذا الباب ، كما
يخالف فى أننا لانتبع مولّيهم، وان كان اتباع المولّى من باقى المحاربين جائزاً; وانما
اختلف الفقهاء فى الانتفاع بدواب أهل البغى وبسلاحهم فى حال قيام الحرب، فقال
الشافعى: لا يجوز ذلك، وقال ابوحنيفة: يجوز ما دامت الحرب قائمة انتهى كلام السيد
المرتضى(قدس سره).
وعن ابن إدريس فى السرائر بعد نقل كلام الشيخ والسيد: (الصحيح ما ذهب اليه
المرتضى، وهو الذّى أختاره وافتى به والذّى يدلّ على صحة ذلك، ما استدل به (ض)
وايضاً فاجماع المسلمين على ذلك، وإجماع أصحابنا منعقد على ذلك، وقول
الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): (لا يحل مال إمراء الا عن طيب نفسه)، وهذالخبر قد تلقّاه الأمة بالقبول،
ودليل العقل يعضده ويشيّده، لأنّ الأصل بقاء الأملاك على أربابها) انتهى كلام ابن
ادريس.
وعن الشهيد فى الدّروس: (ولا يجوز سبى نساء الفريقين، ونقل الحسن أن للامام
ذلك،ان شاء، لمفهوم قول علىّ(عليه السلام): إنى مننت على أهل البصرة كما منّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)
على أهل مكّة، وقد كان لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ان يسبى، فكذا الإمام وهو شاذ، ولايقسّم
51
اموالهم الّتى لم يحوها العسكر اجماعاً، وجوز المرتضى قتالهم بسلاحهم على دوابهم،
لعموم قوله تعالى: (فقاتلو الّتى تبغى حتى تفئ الى أمرالله) وما حواه العسكر، اذا رجعوا
الى طاعة الامام حرام ايضاً، وان اصرّوا فالاكثر على ان قسمته كقسمة الغنيمة ، وانكره
المرتضى و ابن ادريس، وهو الاقرب، عملا بسيرة على(عليه السلام) فى أهل البصرة فانه(ع) أمر
بردّ اموالهم، فاخذت حتى القدور) انتهى كلام الشهيد(قدس سره)