وانت ترى أن الفقهاء إختلفوا فيما حواه عسكر البغى فى حليّته وعدمها والعمدة
هى سيرة (على عليه السلام) فى حرب الجمل، ويستفاد من اخبار كثيرة أنه(ع) قسّم
الغنيمة بين المقاتلين وأنّ ردّها عليهم كان مناً منه(ع) عليهم.
ويدلّ على المن عدة من النصوص: منها موثقة ابي بكر الحضرمى، قال: سمعت ابا
عبدالله (عليه السلام)يقول: لسيرة على(عليه السلام) فى أهل البصرة كانت خيراً لشيعته مما طلعت عليه
الشمس، إنّه علم ان للقوم دولة فلو سباهم، لسبّيت شيعته، قلت: فاخبرنى عن القائم
(عجل الله فرجه) يسير بسيرته؟ قال: لا إنّ علياً(عليه السلام)سار فيهم بالمنّ، لما علم من دولتهم،
وان القائم (عج) يسيرفيهم بخلاف تلك السيرة، لانّه لادولة لهم(1)
ومنها مارواه الحسن بن هارون بياع الأنماط، قال: كنت عند ابي عبدالله(عليه السلام)
جالساً، فسأله معلّى بن خنيس أيسير الامام القائم(عليه السلام) بخلاف سيرة على(عليه السلام) قال: نعم،
وذلك أن عليا(ع) سار بالمن والكف، لأنه علم ان شيعته سيظهر عليهم، وان القائم(عليه السلام)
اذا قام سار فيهم بالسيف والسّبى، لأنه يعلم أن شيعته، لن يظهر عليهم من بعده أبداً(2)
ومنها مارواه ابوحمزة الثمالى قال: قلت لعلى بن الحسين(عليهما السلام): بما سار على بن
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الوسائل ج 11، ب 25 من ابواب جهاد العدو، حديث 1، ص 56.
2- الوسائل ج 11، ب 25 من ابواب جهاد العدو وما يناسبه، حديث 3، ص 57.
52
أبي طالب(عليه السلام) فقال: ان ابا اليقظان كان رجلا حاداً رحمه الله فقال: ياأميرالمؤمنين
بماتسير فى هؤلاء غداً؟ فقال: بالمنّ كما سار رسول الله فى أهل مكّة(1)
ومنها مارواه عبدالله بن سليمان قال: قلت لأبى عبدالله(عليه السلام): إن الناس يروون أنّ
عليا(عليه السلام) قتل اهل البصرة وترك اموالهم فقال: ان دارالشرك، يحلّ ما فيها، وإن
دارالاسلام، لايحلّ ما فيها فقال ان علياً(ع) انما منّ عليهم كما منّ رسول الله على اهل
مكّة، وانما ترك على(عليه السلام) لأنه كان يعلم، أنه سيكون له شيعة، وأن دولة الباطل ستظهر
عليهم، فارادان يقتدى به فى شيعته وقد رأيتم آثار ذلك، هو ذايسار فى الناس بسيرة
على(عليه السلام) ولو قتل على(عليه السلام)اهل البصرة جميعاً واتّخذ اموالهم، لكان ذلك له حلالا، لكنه
منّ عليهم ليمنّ على شيعته من بعده(2)
ومنها صحيحة زرارة عن ابي جعفر(عليهما السلام) قال: لولا انّ علياً(عليه السلام) سار فى اهل
حربه بالكف عن السّبى والغنيمة، للقيت شيعته من الناس بلاء عظيماً، ثم قال: والله
لسيرته كانت خيراً لكم مما طلعت عليه الشمس(3)
وقد تقدم فى ص 52 و 51 مادل على تقسيم الغنائم فى حرب الجمل، فرّدها
عليهم و عدم سبى نسائهم و ذراريهم،كان منّاً عليهم وحكمته هو ما جرى على الشيعة
بعده(عليه السلام).
وقد ظهر مما ذكرناه أنّ ماذكره الشهيد(قدس سره) من أن مادل على جواز سبى الذرارى
والنساء شاذ، لايمكن المساعدة عليه لما عرفت من استفاضة النصوص الدّالة على ذلك،
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الوسائل ج 11، ب 25 من ابواب جهاد العدو وما يناسبه، حديث 4، 6، 8، ص 58 و 59.
2- الوسائل ج 11، ب 25 من ابواب جهاد العدو وما يناسبه، حديث 4، 6، 8، ص 58 و 59.
3- الوسائل ج 11، ب 25 من ابواب جهاد العدو وما يناسبه، حديث 4، 6، 8، ص 58 و 59.
53
(مسألة 3) يشترط فى المغتنم ان لايكون غصباً (1) من مسلم أو ذمّى او معاهد أو
نحوهم
ويجوز ايضاً عقردوابهم وقتلها وكسر شوكتهم كما امر الامير، (عليه السلام) بعقر جمل عائشة.
فقد تحصّل مما ذكرناه أن اغتنام ما حازه البغاة للحرب مع الامام، جائز فللامام
الاغتنام والتقسيم بين المقاتلين، وله المنّ والردّ عليهم سواء كانوا نصّاباً أم لا.
ويؤيّد ذلك أن البغاة يريدون هدم الحكومة الاسلامية: فما دام لم يرجعوا الى
طاعة الامام ـ كما يجوز قتلهم، يجوز اغتنام اموالهم الّتى أعدّوها للقتال مع امام
المسلمين، وان رجعوا الى طاعة الامام، فالأمر بيده، له ان يردّ اموالهم اليهم، وله ان
لايردّها، اذا رأى المصلحة فى دلك.
وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (لا يحل مال امرا الاّ بطيب نفسه) منصرف عن الأموال الّتى
اعدوها لهدم الحكومة الاسلامية.
(1) المشهور بين الأصحاب وجوب الرّد الى مالكه، ونسب الى الشيخ والقاضى
فى بعض كتبه، أن الغنيمة للمقاتلين، وعلى الإمام أن يعطى قيمته لاربابها من بيت المال;
واستدلّ للقول المشهور بوجهين: الأوّل عمومات دالّة على انه لا يحل مال امرأ الاّ
بطيب نفسه;
الثانى صحيحة هشام بن سالم عن ابى عبدالله(عليه السلام)قال: سأله رجل، عن الترك
يغزون على المسلمين، فيأخذون أولادهم، فيسرقون منهم، أيردّ عليهم؟ قال: نعم
والمسلم أخو المسلم، والمسلم احق بماله، اينما وجده(1)
وهذه الصحيحة ـ كما ترى ـ ناطقة بان المسلم احق بماله، اينما وجده
واستدلّ للشيخ والقاضى بمرسلة هشام بن سالم عن بعض أصحاب
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- (3) الوسائل ج 11، ب 35 من جهاد العدو، حديث 3،1،2 ص 74.
54
أبي عبدالله(عليه السلام)عن ابي عبدالله(عليه السلام) فى السّبى يأخذ العدو من المسلمين فى القتال من
اولاد المسلمين، او من مماليكهم فيحوزونه ثم إن المسلمين بعد قاتلوهم فظفروا بهم
وسبوهم واخذوا منهم ما اخذوا من مماليك المسلمين واولادهم الذين كانوا اخذوهم
من المسلمين كيف يصنع بما كان أخذوه من اولاد المسلمين ومما ليكهم؟ قال: فقال: أمّا
أولاد المسلمين، فلا يقامون فى سهام المسلمين ولكن يردّون الى أبيهم وأخيهم والى
وليّهم بشهود، واما المماليك، فانهم يقامون فى سهام المسلمين فيباعون، وتعطى مواليهم
قيمة اثمانهم من بيت مال المسلمين(1)
وفيه أولا أنّ الرّواية المرسلة لاحجية فيها ولم يعمل بها المشهور حتى يدّعى
الانجبار.
وثانياً أنها معارضته بالصّحيحة المتقدمة، فالعمل بالصّحيحة متعيّن.
ثم إنّ هنا رواية ربما تنافى الصحيحة المتقدمة وهى صحيحة الحلبى عن
ابي عبدالله(عليه السلام)قال: سألته عن رجل لقاه العدو واصاب منه مالا او متاعاً ثم ان المسلمين
اصابوا ذلك كيف يصنع بمتاع الرّجل؟ فقال: اذا كان أصابوه قبل ان يحوزوا متاع الرجل،
ردّ عليه وان كانوا أصابوه بعد ما حازوه فهو فيئ للمسلمين فهو أحق بالشفعة(2)
واحتمل سيدنا الاستاذ الخوئى(قدس سره) فيها ثلثة احتمالات: أحدها ان المراد بالحيازة
هى المقاتلة، فيكون المعنى ان اصابة المال ان كانت بعد القتال، فهو فىء للمسلمين،
قال(قدس سره): ولكن هذالتفسير غير ظاهر، بل بعيد كما لا يخفى، ومن ثم فسرالحيازة فى
الجواهر بالمقاسمة بعد ارجاع الضمير فى قوله: (واذا كانوا أصابوه) الى الرجل، اى اذا
اصابوا صاحب المال قبل التقسيم ردّ اليه، وان اصابوه بعد القسمة، فهو فيئٌ للمسلمين.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- (2) الوسائل ج 11، ب 35 من جهاد العدو، حديث 3،1،2 ص 74.
55
ولكنه ايضاً خلاف الظاهر.
ولا يبعد أن يكون الأقرب من هذين الاحتمالين، تفسير الحيازة بالإستيلاء على
المال واغتنامه مع عود الضمير الى الرّجل، ليكون المعنى أنه إن عرف صاحب المال قبل
أن يغتنم، فهو له والاّ فللمسلمين، كما ربما يقرّب.
هذا المعنى ما هو المشهور بل المتسالم عليه بينهم من أنّ مجهول المالك لو عرف
صاحبه بعد الصرف فيما قرّره الشرع من صدقة ونحوها، لم يستحق شيئاً، ومن ثم فرّ قوا
بينه وبين اللّقطة بانه لو تصدق بها، ضمن على تقدير العثور على صاحبها، بخلاف
التصدق بمجهول المالك فانه لاضمان فيه بتاتاً، فيكون الاغتنام فى المقام ـ بعد كون
المال المبحوث عنه من قبيل مجهول المالك ـ بمثابة التصدق فى سائر الموارد، حيث أنه
باذن من صاحب الشرع فلاضمان بعده وإن عثر على مالكه. وكيفما كان وهذا الاحتمال
وان كان اقرب كما عرفت، الا أنه بعد غير واضح، فلا تخلو الصّحيحة من كونها مضطربة
الدّلالة فلا تصلح للاستدلال بعد تكافؤ الاحتمالات) انتهى كلام الاستاذ(قدس سره).
ثم قال(قدس سره) بعدأ سطر: (فالا قوى ما عليه المشهور من استرداد المالك ماله حيثما
وجده من غير فرق بين ما قبل القسمة وما بعدها، عملا باطلاقات احترام المال حسبما
عرفت.
وللنظر فيما افاده مجال واسع، فان ارادة المقاتلة من الحيازة، منتفية جزماً لأنه لا
معنى لكون متاع الرجل مفعولا لقوله(ع): قبل ان يحوزو (اى يقاتلوا متاع الرجل) كما هو
واضح فان طرف القتال كان هو الكفار لا المتاع.
وكذا اذا كانت الحيازة بمعنى الإستيلاء فان الظاهر من اصابة المسلمين لمتاع
الرجل كانت بعد القتال والاستيلاء، ولا يتصورّ أن يصيب المسلمون المتاع الذى كان بيد
الكفار، قبل الاستيلاء عليهم.
56
ممن هو محترم المال، والاّ فيجب ردّه الى مالكه، نعم لو كان مغصوبا من غيرهم من اهل
الحرب لابأس بأخذه وإعطاء خمسه وان لم يكن الحرب فعلا مع المغصوب منه، وكذا اذا
كان عند المقاتلين مال غيرهم من اهل الحرب، بعنوان الأمانة من وديعة او اجارة او
عارية أو نحوها;
وماذكره(قدس سره) من أن فتوى المشهور فى مجهول المالك يقّرب احتمال الاستيلاء لا
يصحّ بوجه فان الاستيلاء والاغتنام، لا يوجب ملكية الغانمين للغنيمة بل يتصرف فيها
الامام كيف ما يشاء الاترى صحيحة زرارة: (قال الامام يجرى وينفل ويعطى ما يشاء قبل
ان تقع السهام)(1) فاىّ مانع له(ع) ان يعطى متاع الرجلّ لصاحبه.
فعليه يتعيّن ان تكون الحيازة بمعنى التقسيم وحيازة كل غانم سهمه فان الحيازة
اذا كانت باعطاء الإمام، يوجب الملكية وقد تقدم منا ان الغنيمة ما دامت لم تقسم، لم تكن
ملكا للغانمين، والالزم ان يكون اعطاء الامام ملك الغانمين لغيرهم وهو خلاف ظاهر
صحيحة زرارة وغيرها مما دل على ان للامام ان يصرفها فى كل ما ينوبه وقد لا يقسّم ولا
يعطى للغانمين شيئاً كما تقدم.
ويؤيده أمران احدهما فتوى المشهور فى مجهول المالك حيث افتوا بان العثور
على المالك بعد الصّدقة لا يوجب عوده اليه والتقسيم فى المقام بمنزلة الصدقة فيمنع من
رجوع المتاع اليه بلاثمن.
ثانيهما مرسلة جميل عن رجل عن ابي عبد الله(عليه السلام): فى رجل كان له عبد
(عبيد خ) فأدخل دار الشرك، ثم أخذ سبياً الى دار الإسلام؟ قال: ان وقع عليه قبل
القسمة فهو له، وإن جرى عليه القسم فهوأ حق به بالثمن(2)
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الوسائل ج 6، ب 1، من ابواب الانفال، حديث 2، ص 365.
2- الوسائل ج، 11 ب 35 من ابواب جهاد العدو حديث 4 ص 74.
57
(مسألة 4): لايعتبر فى وجوب الخمس فى الغنائم بلوغ النصاب عشرين
فعليه لا مجال للقول بأن الصّحيحة مضطربة المتن فلا تصلح للاستدلال بعد تكافؤ
الاحتمالات.
بل لا اضطراب فى متنها ولايحتمل ان تكون الحيازة بمعنى القتال او الاستيلاء بل
المتعين انها بمعنى القسمة، فتكون هذه الصّحيحة مقيدة لصحيحة هشام الدالّة على ان
المسلم احق بماله اينما وجده، بما اذا كان وجدانه قبل قسمة الغنيمة، وامّا اذا كان بعد
قسمتها، فهو أحقّ بالشفعة، فلا بد من اعطاء الثمن للغانم، ولوكان من بيت المال.
على أن صحيحة هشام وردت فى مورد السرقة، وهى لاتوجب ذهاب حرمة مال
المسلم بوجه، فهوأ حق بماله أينما وجده، بخلاف ما اذا كان المغنم، من الكفار، مال
المسلم، فان مقتضى صحيحة الحلبى أنه احق به مادام، لم يقسّم، واما بعد القسمة حيث أن
الغانم يملك سهمه باعطاء ولى الامر، كان المالك أحق بالشفعة، فلا بد ان يعطى الثمن
ولو من بيت المال.
بقى الكلام فى أن المالك المسلم يتضرّر بأن يعطى الثمن ويأخذ ماله بالشفعة؟
ويمكن أن يقال: بأنّ هذا الضّرر يتدارك، ويستدلّ على ذلك بوجوه:
الأول قاعدة لا ضرر، فان الحكم الضّررى ـ اذا لم يتدارك ـ غير مجعول،
لقوله(ص): (لا ضرر ولا ضرار فى الاسلام) وتدارك هذا لضرر لايكون الاّ من بيت
المال.
الثانى مرسلة هشام المتقدمة (ص 60) فانها تدل على أن قيمة المماليك تعطى
للموالى من بيت مال المسلمين.
الثالث رواية طربال عن أبي جعفر(عليهما السلام) قال: سأل عن رجل كان له جارية فأغار
عليه المشركون، فأخذ وها منه ثم ان المسلمين بعد غزوهم، فأخذ وها فيما غنموا منهم،
فقال: ان كانت فى الغنائم واقام البينة ان المشركين أغاروا عليهم، فأخذوها