سألت أبا جعفر(عليهما السلام) عن الملاحة، فقال: وما الملاحة؟ فقال: (فقلت): ارض سبخة مالحة
يجتمع فيه الماء فيصير ملحاً فقال: هذالمعدن فيه الخمس، فقلت: والكبريت والنفط
يخرج من الأرض؟ قال: فقال: هذا وأشباهه فيه الخمس(1)
ومما ذكرنا ظهر أنّ ما عن كشف الغطاء: (انه لو وجد شيئاً من المعدن مطروحاً فى
الصحراء فأخذه فلا خمس فيه) يشبه الاجتهاد فى قبال النص، قال فى الجواهر: ولعلّه
لظهور الأدلّة فى اعتبار الاخراج.
وفيه ان الاخراج لا يعتبر، كما فى الملح فى السبخة.
نعم لو كان المعدن مطروحاً وعلم سبق يدالانسان عليه، فهو لقطة يجرى عليه
حكمها، وان لم يعلم ذلك، واحتمل أنه اخرجه السّيل او الزلزلة او الحيوان ونحوها، يجب
اخراج خمسه، حيث أن الإخراج لا يعتبر فى التخميس، فضلا أن يكون المخرج انساناً.
(2) وذلك كلّه لا طلاق الأدلّة، وهو المشهور بين الأصحاب ، لان الكفار كما هم
مكلفون باالاصول ، يكونون مكلفين بالفروع عندهم.
وسيدنا الأستاذ الخوئى (قدس سره) رجح عدم تكليفهم بها لوجوه:
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الوسائل ج 6، ب 3 من ابواب ما يجب فيه الخمس، حديث 4، ص 343.
69
الأول أن الخطابات القرانية المشتملة على الفروع تتوجّه الى المؤمنين، مثل قوله
تعالى: يا ايها الذين آمنوا أنفقوا ممّا رزقناكم(1)
وقوله تعالى: ياأيّها الّذين آمنوا، كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من
قبلكم(2)
وقوله تعالى: إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتاً(3)
وقوله تعالى: الزانى لاينكح الا زانية، او مشركة، والزانية لا ينكحها إلاّ زان او
مشرك وحرّم ذلك على المؤمنين(4)
الثانى الروايات: منها صحيحة زرارة قال: قلت لابي جعفر(عليهما السلام): (أخبرنى عن
معرفة الامام منكم، واجبة على جميع الخلق؟ فقال: إن الله (عزّوجلّ) بعث محمداً الى
الناس أجمعين رسولا وحجّة لله على جميع خلقه فى أرضه، فمن آمن بالله وبمحمد
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)واتّبعه وصدّقه، فإنّ معرفة الإمام منّا واجبة عليه، ومن لم يؤمن بالله و
برسوله ولم يتّبعه ولم يصدّقه ويعرف حقهما، فكيف تجب عليه معرفة الامام؟ وهو لا
يؤمن بالله ورسوله ويعرف حقهما(5).
ومنها مارواه أبان بن تغلب فى تفسير قوله تعالى: (وويل للمشركين الّذين
لايؤتون الزّكاة) قال: قال لى أبو عبدالله (عليه السلام): يا أبان أترى ان الله (عزّوجلّ) طلب عن
المشركين زكاة أموالهم، وهم يشركون به، حيث يقول: ويل للمشركين الذين لايؤتون
الزكاة، وهم بالآخرة هم كافرون؟ قلت له: كيف ذلك؟ جعلت فداك فسّره لى، فقال: ويل
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- السورة البقرة الآية 254.
2- السورة البقرة الآية 183.
3- السورة النساء الآية 103.
4- السورة النور الآية 3.
5- اصول الكافى ج 1، باب معرفة، الامام والرّد اليه، حديث 3، ص 180.
70
للمشركين الذين أشركوا بالامام الاوّل وهم بالأئمة الآخرين كافرون، يا أبان: انما دعا الله
تعالى العباد الى الايمان به فاذا آمنوا بالله وبرسوله، افترض عليهم الفرائض(1)
ومنها صحيحة عمران بن موسى عن موسى بن جعفر(عليهما السلام)قال: قرأت عليه آية الخمس،
فقال: ماكان لله فهو لرسوله، وما كان لرسوله، فهو لنا، ثم قال: والله لقد يسّر الله على
المؤمنين ارزاقهم بخمسة دراهم، جعلوا لربهم واحدا، واكلوا اربعة احلأ (الحديث)(2)
الثالث أن تكليف الكفّار بالفروع، غير معقول فى اكثر الموارد، فان الكافر اذا فاتته
الصّلاة والصّوم والحج والخمس والزكاة فهل هو مكلّف بها ام لا؟ فان امر بها فى حال
الكفر، لا يمكن له الامتثال لعدم تمشى قصد القربة منه، وان امر بها فى حال الاسلام، فلا
يمكن الامتثال ايضاً، لأنّ الإسلام يجبّ ما قبله.
وقد أجيب عنه بوجهين: ألأوّل أن الكافر، كان متمكناً من القضاء بأختيار الاسلام
فى الوقت، فيصلّى اداء، فان فاتته فقضاءً، كما كان متمكناً من الزكاة باسلامه قبل أوان
تعلّق الزكاة، بل بعد أوان تعلّق الزكاة وقبل الإخراج وقد فوّت على نفسه هذ التكليف
بسوء الاختيار المستند الى عدم قبول الاسلام ومن الواضح ان الإمتناع بالاختيار،
لاينافى الاختيار عقابا وان نافاه خطاباً، فا التكليف وان كان ساقطاً بمناط امتناع خطاب
العاجز، الاّ أنّ الملاك الفعلى الملزم موجود، وتفويته موجب للعقاب بحكم العقل، ومن
أجله لا مانع من تعلّق الزكاة والخمس والقضاء بالكافر كالمسلم بملاك واحد، وليس هو
الاّ كالمتوسط فى الارض المغصوبة، فانه عاص فى الدخول والمكث والخروج بملاك انه
كان قادراً على ترك الدّخول من الأوّل، فلو تركه، لم يبتل باالمحذور.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- تفسير القمى ج 2، ص 262.
2- الوسائل ج 6، ب 1 من ابواب ما يجب فيه الخمس، حديث 6، ص 338.
71
والجواب عن ذلك أنه فى مقام التّصور وإن كان ممكناً، الا أنه لا دليل عليه فى
مقام الإثبات، اذ لا طريق لنا الى استعلام ملاكات الاحكام من غير ناحية الاوامر أنفسها،
والمفروض امتناع تعلّق الأمر فى المقام لعدم إمكان امتثاله فى حال من الحالات
كماعرفت، ومعه كيف يستكشف تحقق المناط والملاك، ليكون تفويته المستند الى سوء
الاختيار مستوجبا للعقاب، فعليه لايكون قوله تعالى: (ويل للمشركين الّذين لا يؤتون
الزكاة) دالا على ثبوت الأمر بالزّكاة، ومع عدم امكان الامر لا يحرز الملاك ايضاً، كما
عرفت.
الوجه الثانى ان دليل التكليف بالنسبة الى مطلق العبادات، وان كان قاصر الشّمول
بالنسبة الى الكافر، كما ذكر، الاّ ان ادلّة الوضع الّتى مرجعها الى شركة الفقراء معه فى المال
غير قاصر الشّمول له، فلا محذور اصلا أن يقال: عشر ما له او خمس ما له للفقراء أو
الامام، ونتيجته جواز انتزاع المال منه قهراً او اختياراً.
والجواب عن ذلك، اولا ان ما دلّ على الوضع، ناظر الى ما يخرج منه ولا نظر له
الى انّ المخرج من هو؟ ألا ترى صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليهما السلام) (قال: سألته
عن معادن الذّهب والفضة والصّفر والحديد والرصّاص؟ قال: عليها الخمس جميعاً(1)
ولا يكون فى مقام البيان من غير جهة المقدار حتى يقال: ان الخمس على الكبير
والصغير والمجنون والكافر والمسلم; وكذا الكلام فيما دل على وجوب الزكاة فانه ناظر
الى المقدار الذى يخرج ولا نظر له الى أنّ المالك من هو.
وثانياً انه لو كان الامر كما ذكر من عموم الوضع لكل من الملاّك ولو كان كافراً
لاخذ النبى (ص) الزكاة من الكفار جبراً، كما يؤخذ الخمس من الذمى الذى اشترى
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الوسائل ج 6، ب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، حديث 1، ص 342.
72
الارض من مسلم، ولو اخذها لظهر وبان وشاع، ولم يردفيه حتى رواية واحدة فمنه
يكشف عدم وجوبها على الكفار.
على أنّ السّيرة القطعية من صدر الاسلام، قائمة على قرار الكفار الذمى
على دينهم، فلو كان شرب الخمر واكل لحم الخنزير حراماً عليهم، لنهو هم عن ذلك ولو
لاجل النهى عن المنكر.
وامّا الاستدلال للقول المشهور بقوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من
استطاع اليه سبيلا، ومن كفر فان الله غنى عن العالمين)، غير تام، لأن الذيل شاهد على
وجوب الحج على غير الكافر حيث إنه بترك الحج يصير كافراً، وامّا هو فكافر قبل تركه،
وتحصيل الحاصل محال.
وقد يستدل للقول المشهور بصحيحة احمد بن محمد بن ابى نصر (قال: ذكرت
لأبى الحسن الرضا(عليه السلام) الخراج وما سار به اهل بيته، فقال: العشر ونصف العشر على من
اسلم طوعاً تركت ارضه فى يده، واخذ منه العشر ونصف العشر فيما عمر منها، وما لم
يعمر منها، اخذه الوالى فقبّله ممن يعمّره وكان للمسلمين، وليس فيما كان اقل من خمسة
او ساق شىء، وما اخذ بالسّيف فذلك الى الامام، يقبله بالذى يرى كما صنع
رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بخيبر قبل ارضها ونخلها، والناس يقولون: لا تصلح قبالة الأرض
والنخل اذا كان البياض اكثر من السواد، وقد قبلّ رسول الله (ص) خيبر و عليهم فى
حصصهم العشر ونصف العشر(1).
فيظهر من ذيل هذه الصحيحة ان اهل خيبر، كانوا يعطون العشر ونصف العشر
للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو ليس الاّ الزّكاة على الكفّار.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الوسائل ج 11، ب 72 من ابواب جهاد العدو، حديث 2، ص 120.
73
وفيه اوّلا انه لم يظهر منها كفر المتقبل، ولعل القبالة كانت مع من اسلم منهم.
وثانياً انه لو فرض ان القبالة كانت مع الكفار، فالعشر او نصف العشر كان عليهم
بحسب الشرط، حيث إن الأرض كانت للمسلمين، وجعل الشرط عليهم ولىّ
المسلمين،واين هذا من الاراضى التى كانت ملكا للكفار وتحت أيديهم.
وثالثا قد وردت عدة من الروايات، دلّت على عدم شىء على الكفار، غير الجزية،
منها صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر(عليهما السلام)فى اهل الجزية، يؤخذ من أموالهم
ومواشيهم شىءٌ سوى الجزية؟ قال: لا(1).
ومنها صحيحة اخرى عن محمد بن مسلم قال: سألته عن أهل الذّمة ماذا عليهم
مما يحقنون به دمائهم واموالهم؟ قال: الخراج، وان أخذ من رؤوسهم الجزية فلا سبيل
على ارضهم وان اخذ من أرضهم، فلا سبيل على رؤوسهم(2).
وفى حديث آخر: (ليس للامام اكثر من الجزية(3)
فلو كان الخمس أو الزكاة واجباً عليهم لأخذ منهم الرّسول أو الإمام(عليهما السلام)
فالمستفاد من الجميع أن الكفّار ليسوا مكلّفين بالفروع.
ثم إنا لو قلنا بمقالة المشهور من أن الكفّار مكلّفون بالفروع، وقلنا: إن حديث
الجب منجبر بعمل الأصحاب، فلا شك فى انه ناظر الى الاحكام الثابتة بالاسلام
والمختصة به، فهى المجبوبة والمحكومة بالسقوط لو حصل مناشئها فى حال الكفر كفوات
الصلاة والصيام وحولان الحول فى الانعام وفوات الحج عن المستطيع قبل الاسلام ونحو
ذلك، وأمّا الأحكام المشتركة بين جميع الأديان والأمور الإعتبارية جرت عليها سيرة
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الوسائل ج 11، ب 68، من ابواب جهاد العدو، حديث 4 ص 115.
2- (3) الوسائل ج 11، ب 68 من ابواب جهاد العدو، حديث 3 و 2، ص 114.
74
ولا بين ان يكون بالغًا اُوصبيًا، وعاقلا او مجنونًا فيجب على
العقلاء كالعقود والايقاعات والدّيون والضمانات وما شاكلها فالحديث غير ناظر الى
جبّها جزماً، فالاشكال على الاستدلال بالحديث بانه مستلزم للتخّصيص الأكثر
المستهجن فى غير محلّه، فلا يلتفت اليه.
فالمتحصّل مما ذكرنا أن الكفّار غير مكّلفين بالفروع الثابتة بالاسلام ومنها
الخمس والزكاة، وامّا بناء على القول المشهور، فلوا خرجوا لمعدن او ملكوا لنصاب حال
الكفر، فتلف قبل الاسلام ليس عليهم شىء بعده وامّا ان كان باقياً بعد الاسلام فان قلنا
بحجية حديث الجبّ، ليس عليهم شىء لأن الاسلام يجبّ ما قبله، وان لم نقل بحجيته،
فلا بد من اخراج خمس المعدن والزكاة من النصاب لأن السيرة على عدم التدارك
مختصة بما اذا لم يكن متعلق التكليف باقيا، والا فلا بد من اخراج الخمس والزكاة.
ثم لا يخفى انه لو زنى كافر بمسلمة، يقتل الزانى، سواء قلنا: بانّهم مكلفون بالفروع
اولم نقل بذلك، وذلك للدليل الخاص الوارد فى المقام وهو صحيحة حنان بن سدير عن
ابي عبدالله(عليه السلام)(قال: سألته عن يهودى فجر بمسلمة؟ قال (ع) يقتل)(1).
ولو زنى الذّمى بمسلمة و ثبت عند الحاكم ثم أسلم، لا يسقط القتل عنه بلاخلاف
ظاهر، وذلك لاطلاق الصحيحة المتقدمة ولرواية جعفر بن رزق الله، (قال: قدّم الى
المتوكّل رجل نصرانى فجر بإمرأة مسلمة، واراد ان يقيم عليه الحد، فاسلم فقال يحيى بن
اكثم: قد هدم ايمانه شركه وفعله، وقال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود، وقال بعضهم: يفعل به
كذا وكذا، فأمر المتوكل بالكتاب الى ابى الحسن الثالث(عليهما السلام) وسؤاله عن ذلك، فلما قدم
الكتاب، كتب ابوالحسن(عليه السلام): يضرب حتى يموت، فانكر يحيى بن اكثم وانكر فقهاء
العسكر ذلك وقالوا: يا امير المؤمنين سله عن هذا فانه شىءٌ لم ينطق به كتاب ولم تجىء
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الوسائل ج 18، ب 36 من أبواب حدّ الزنا، حديث 1، ص 407.
75
وليّهما اخراج الخمس (1)
به السنة، فكتب: ان فقهاء المسلمين قد انكروا هذا وقالوا: لم تجىء به سنة ولم ينطق به
كتاب، فبيّن لنا بما او جبت عليه الضرب حتى يموت؟ فكتب(عليه السلام): بسم الله الرحمن