بالواقع عذراً له، عند العقلاء وهذا من غير فرق بين الشّبهات التّحريمية والوجوبية.)
قلت: ما ذكره لا يتم باطلاقه فانّ صحيحة زرارة تنفى الفحص صريحاً قال: (قلت
فهل علىّ إن شككت أنّه أصابه شيئ أن أنظر فيه؟ قال: لا ولكنك إنما تريد أن تذهب
بالشك الّذى وقع من نفسك) "الحديث" فانها صريحة فى عدم وجوب النظرو الاختبار
وان أمكن به كشف الواقع; فالقول بلزوم الفحص والاختبار مطلقاً يعدّ اجتهاداً فى قبال
النصّ.
ولكنّه يمكن أن يقال: إن الصّحيحة وردت فى مورد النّجاسة والطّهارة، والتعدىّ
منه الى باب الأموال كالشك فى الدين والنصاب والاستطاعة والرجوع فيها الى البرائة و
لا سيما اذا كان هناك دفتر و كتاب، لعلّه مخالف للسّيرة القطعية، فانها فى هذه الموارد
قائمة على الفحص والحساب، ولعلّ الوجه فيها هو الوقوع فى المخالفة القطعية الكثيرة لو
بنى على الرجوع الى البرائة بمجرد الشكّ بلا مراجعة الدّفتر والحساب.
119
الكَـنْز
121
الخمسالكنز
الثالث الكنز (1)
(1) الكلام فيه يقع فى جهات:
الأولى فى دليل وجوب الخمس فيه، وقد حكى عن الخلاف والتذكرة
والانتصار انه اجماعى، وعن المدارك: (اجمع العلماء كافة على وجوب الخمس فيه،
وعن الحدائق وظاهر الغنية أو صريحها نفى الخلاف فيه;
لا شك فى أن وجوب الخمس فيه مما تسالموا عليه، وتدل عليه عدة من
النصوص: منها صحيحة الحلبي أنه سأل اباعبدالله(عليه السلام) عن الكنز كم فيه؟ قال: الخمس(1)
ومنها صحيحة إبن أبي نصر البزنطى عن أبي الحسن الرّضا(عليه السلام)(قال: سألته عما
يجب فيه الخمس من الكنز؟ فقال: ما يجب الزكاة فى مثله ففيه الخمس)(2)
ومنها صحيحة عمار بن مروان (قال: سمعت أبا عبدالله(عليه السلام) يقول: فيما يخرج من
المعادن والبحر والغنيمة والحلال المختلط بالحرام اذا لم يعرف صاحبه والكنوز
الخمس)(2)
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- (2) الوسائل ج 6، ب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس، حديث 1 و 2 ص 345.
2- الوسائل ج 6، ب 3 من ابواب ما يجب فيه الخمس، حديث 6 ص 344.
122
ولا يخفى أنّ عمار بن مروان اليشكرى وثّقه النّجاشى وله كتاب، وقد يقال: إن
عمار بن مروان الكلبى لم يوثق، وما فى سند هذا الحديث يمكن أن يكون هو الكلبى،
وهذاالإحتمال يوجب سقوط الرواية عن الاعتبار.
وفيه أولا أن عمار بن مروان اليشكرى الثقة له كتاب وهو المعروف المشهور فى
كتب الرّجال فالاطلاق ينصرف اليه.
ودعوى أن هذا إن كان يوجب الإنصراف ففى كلام الرّجاليين وكتبهم
الرجالية لا فى الأسانيد وكلام المحدّثين.
مدفوعة بان الرجاليين يبحثون عن اسانيد الاحاديث الّتى فى كتب المحدثين فاذا
كان الإسم مشتركاً بين شخصين، وكان أحدهما معروفاً مشهوراً وله كتاب، والآخر
مجهولا شاذاً ينصرف الإطلاق الى المشهور لأنس اللفظ الناشى من كثرة الاستعمال فيه،
وان كان السبب فى هذا الأنس هو كثرة الإستعمال والشهرة عند الرجاليين.
وثانياً أنّ الصدوق روى بإسناده عن ابن محبوب عن أبي ايوب عن عمار بن
مروان عن أبي عبدالله(عليه السلام) الفقيه، الجزء 2، باب وجوب التقصير فى الصوم فى
السفر،الحديث 409، والشيخ فى التهذيب، الجزء 4، باب حكم المسافر والمريض فى
الصيام، الحديث، 640، والظاهر بملاحظة ما ذكره فى المشيخة: ان المراد بعمار بن مروان
فيها هو الكلبى.
ولكن محمد بن يعقوب الكلينى روى هذه الرواية عن عدة من اصحابنا، عن سهل
بن زياد، عن الحسن بن محبوب، عن أبي ايوب، عن محمد بن مروان (الكلبى) الكافى،
الجزء 4، باب من لا يجب له الافطار والتقصير فى السفر من كتاب الصيام، الحديث: 3
وحيث ان الكافى اضبط، فمنه يظن ان المذكور فى المشيخة فيه، تحريف من سهو قلم
الصدوق، او من غلط النساخ، والصحيح هو محمد بن مروان الكلبى و هو الذى ذكره
123
الشيخ فى رجاله فى اصحاب الباقر(عليه السلام) واما عمار بن مروان الكلبى، فلا وجود له فى
كتب الرّجال.
ويؤكّد ذلك ان الصدوق روى عن محمد بن مروان وابتداء به فى السند، الفقيه،
الجزء 2، باب فضل شهر رمضان، وثواب صيامه، الحديث 261، والجزء 3، باب العتق و
أحكامه، الحديث 241، مع انه لم يذكر اليه طريقا فى المشيخة، فمن المظنون ان الطريق
المزبور هو طريقه الى محمد بن مروان الذى روى الحسن بن محبوب عن ابي ايوب عنه
كما فى الكافى.
فمن هذا البيان يظهر أن عمار بن مروان واحد، و هو اليشكرى الثقة و اما عمار بن
مروان الكلبى فكما لا وجود له فى كتب الرجال، كذلك لا وجود له فى أسانيد الاحاديث
ايضاً، لأنّ الموجود هو محمد بن مروان.
وثالثاً أن عمار بن مروان اليشكرى الثقة المذكور فى كتب الرّجال، ينقل الشيخ
كتابه بطريق يقع فيه الصدوق نفسه، حيث يقول الشيخ: (اخبرنا به المفيد عن محمد بن
على بن الحسين عن أبيه عن سعد والحميرى و محمّد بن يحيى و احمد بن ادريس عن
احمد بن محمد و محمد بن الحسين جمعياً عن محمد بن سنان عنه) فلو كان الكلبى الذى
يروى عنه الصدوق غير اليشكرى الذى يروى كتابه عن محمد بن سنان كيف لا يذكر
طريقه اليه فى المشيخة، ويذكر طريقه الى شخص غير معروف وينقل فى كتابه روايات
عنه بلا لقب الكلبى، وهذا بعيد عنه جدّاً.
فتحصل أن عمار بن مروان الكلبى، امّا هو نفس اليشكرى، او سهى قلمه الشريف
فكتب بدل محمد بن مروان الكلبى، عمار بن مروان، فعليه لم يثبت عمار بن مروان
الكلبى غير اليشكرى الثقة، فما حاوله الأردبيلى(قدس سره)فى جامع الروات، وبعض
المعاصرين فى كتابه، هو الاظهر من أن الكلبى واليشكرى رجل واحد.
124
وهو المال المذخور(1) فى الأرض أو الجبل أو الجدار أو الشجر
ومنها صحيحة ابن ابي عمير عن غير واحد عن ابي عبدالله(عليه السلام) (قال: الخمس
على خمسة أشياء على الكنوز والمعادن والغوص والغنيمة ونسى ابن ابى عمير
الخامس)(1)
ولا يخفى أن أحمد بن زياد بن جعفر الهمدانى الواقع فى سندها هو شيخ الصّدوق
وقد وثقه صريحاً، حيث قال: ثقة فاضل ديّن، فلا يضر عدم توثيقه فى كتب الرّجال وعدم
التّعرض له، وما فى الوسائل من ضبط (عن جعفر) غلط امّا من هذه النسخة وامّا من
صاحب الوسائل، لو كان جميع نسخ الوسائل كذلك، والصواب ابن جعفر كما أثبته فى
الخصال(2) فان جعفر جدّ أحمد لا أنه راو آخر.
ومنها صحيحة زرارة عن ابي جعفر(عليهما السلام)قال: سألته عن المعادن ما فيها؟ فقال:
كل ما كان ركازاً ففيه الخمس) (الحديث)(3)
(1) الجهة الثانية فى أنه هل يعتبر فى الكنز قصد الدّفن للإدّخار، أو يشمل كل ما
هو مستتر ومدفون فى الارض ولو بلا قصد من الانسان، كما اذا دفنه السّيل أو الزّلزلة أو
الخسف أو نحو ذلك؟ المشهور هو الثانى.
ولكّن الشهيد الثانى فى الرّوضة والمسالك اختار الأول، فخصّ الكنز بما اذا كان
الإدّخار مقصوداً للمالك والاّ فهو فى حكم اللّقطة، بل ربما يظهر ذلك من كلام كل من
فسّر الكنز بالمال المذخور، فان الاّدخار لايتحقق بلا قصد.
وكيفما كان فالصّحيح هو القول المشهور، فان الكنز عبارة عما هو مستور فى
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الوسائل ج 6، ب 3 من ابواب ما يجب فيه الخمس، حديث 7، ص 344.
2- الخصال ص 137، طبع المكتبة العلمية.
3- الوسائل ج 6، ب 3 من ابواب ما يجب فيه الخمس، حديث 3، ص 343.
125
125
الخمسالكنزوالمدار الصّدق العرفى (1) سواء كان من الذهب أو الفضّة المسكوكين(2) او غير
مسكوكين أو غيرهما من الجواهر
الأرض باىّ وجه كان، ولا دليل على إعتبار القصد فيه، كما نشاهد فى المدن الّتى
جعل الله عاليها سافلها، فان الجواهر المدفونة فيها يصدق عليها الكنز مع انها عار عن
القصد.
ولو تنزّلنا عن ذلك وقلنا: إن الكنز عبارة عما دفنه الإنسان للادّخار نتمسك فيما
لم يدفنه الإنسان بصحيحة زرارة المتقدمة (: كلّ ما كان ركازاً ففيه الخمس) ولاشبهة فى
أن قصد الإدّخار لم يؤخذ فى الركاز فيشمل ما دفن فى الارض مطلقا ولو كان بواسطة
الخسف والزّلزلة والسّيل ونحوها او كان تكوّنه فى جوف الارض كالمعدن.
(1) الجهة الثالثة هل يعتبر فى صدق الكنز كون المال مدفوناً ومستتراً فى الأرض،
او لا يعتبر ذلك، بل يشمل كل ما هو مستتر ولو كان فى الجدار أو الشجر أو السقف او نحو
ذلك؟ ظاهر كلام جملة من اللّغويين والفقهاء الأوّل، حيث فسّره بالمدفون فى الأرض،
بل صرّح كاشف الغطاء ـ كما فى الجواهر ـ بعدم الخمس فى المدفون فى غير الأرض.
وفيه أنه لا دليل عليه أصلا، فانّ الكنز والرّكاز ما هو مستتر عن الانظار بحيث لا
يعثر عليه أحد بسهولة، ولو كان فى الشجر أو الجدران، وذكر الارض فى كلام الفقهاء أو
اللغويين ناشىء من الغلبة، والا فالكنز يصدق على ما ذكر بلا تأمّل; نعم لا يصدق على
المخبوء فى الصندوق وتحت الحطب، والورق ونحو ذلك، فانّه من اللّقطة بلا اشكال.
ولو شكّ فى صدق الكنز والّركاز فى موضع، لا يجرى عليه حكمه من وجوب
التخميس ودعوى الالحاق بالكنز بتنقيح المناط، لا تخلو عن خفاء، فانه لو بنى على
ذلك، لشمل الكنز المخبوء فى الصندوق وبين الكتب والاوراق والماء ونحو ذلك، وهذا
مما يقطع بفساده.
(2) الجهة الرّابعة هل يختص الكنز بالذّهب والفضّة المسكوكين او يعّمهما وغير
126
المسكوكين، او يعمّ جميع الجواهر او الاعم منها؟
فعن الشيخ فى النهاية ـ بعد ما ذكر أوّلا ثبوت الخمس فى الكنوز قال: (والكنوز اذا
كانت دراهم او دنانير، يجب فيها الخمس فيما وجد منها، اذا بلغ الى الحدّ الذى قدّ منا
ذكره).
وعن المسبوط: (ويجب ايضاً فى الكنوز الّتى توجد فى دار الحرب من الذهب
والفضّة والدّراهم والدّنانير).
وعن التذكرة: (ويجب الخمس فى كل ما كان ركازاً وهو كل مال مدخور تحت
الأرض على إختلاف أنواعه (الى ان قال): وقول الباقر(عليه السلام): كل ما كان ركازاً ففيه
الخمس.)
وعن كشف الغطاء (أنّ الظاهر تخصيص الحكم بالنقدين وغيره يتبع حكم اللقطة).
وعن مصباح الففيه للهمدانى، وعن المستند للنراقى ما حاصله (:إن ظاهر اطلاق
جماعة وصريح المحكى عن الاقتصاد والوسيلة والتحرير والمنتهى والتذكرة والبيان
والدروس التعميم، لعموم الأدلّة وظاهر الشيخ فى النهاية والمبسوط، والجمل والسرائر
والجامع، الاختصاص بكنوز الذهب والفضّة، ونسبه بعض من تأخّر الى ظاهر الاكثر وهو
الاظهر، لمفهوم صحيحة البزنطى).
والمصنف واكثرا لمعلّقين خصّصو الحكم بالجواهر، وبعضهم عمّم الحكم لكل مال
معتدبه مدفون، وان كان غير الجواهر.
فالأقوال فى المسئلة أربعة: أحد ها إختصاص الحكم بالذّهب والفضة
المسكوكين، كما عن الشيخ فى النهاية وكاشف الغطاء واختاره الأستاذ(قدس سره)قال الأستاذ:
فان السؤال بقوله: (عمّا ..) ظاهر فى السئوال عن الجنس والماهية لا عن المقدار
والكمية، وقال ايضاً: فانها ظاهرة فى السئوال عن جنس المستخرج وماهيته، لا
127
عن مقداره وكميته، فان حمل المماثلة على التقدير فى المالية، بعيد عن سياقها غايته.
ثانيها التعميم لمطلق الذّهب والفضة، سواء كانا مسكوكين او غير مسكوكين، كما
عن الشيخ فى المبسوط وجمع آخر.
ثالثها التعميم لمطلق الجواهر كما هو المستفاد من كلام المصنف واكثر محشّى
العروة.
رابعها التعميم لكل مال مدفون ولو كان غير الجواهر، كما عن العلاّمة فى التذكرة
وبعض من عاصر ناهم (وهو المرحوم گلپايگانى)(قدس سره)
ومنشأ هذه الأقوال هو الإختلاف فى فهم الروايات: أمّا القول الأول فقد استدلّ
الاستاذ المرحوم له بصحيحة البزنطى، قال: سألته عما يجب فيه الخمس من الكنز؟ فقال:
ما يجب الزّكاة فى مثله ففيه الخمس(1) قال: فان السئوال بقوله: (عمّا..الخ) ظاهر فى
السئوال عن الجنس والماهية لا عن المقدار والكمية، وعليه فالمماثلة ظاهرة فى التماثل
من حيث الجنس الذّى هو المسئول عنه، لا فى شيى آخر، فانه خلاف المنسبق او
المنصرف من إطلاق المماثلة كما لا يخفى، وبما ان الجنس المستخرج من الكنز الذى
يكون فى الجنس المتسانخ والمماثل له الزكاة منحصر فى النقدين، فطبعاً يختص الخمس
ايضاً بهما(الى ان قال): فانّها (أى صحيحة البزنطى) ظاهرة فى السئوال عن جنس
المستخرج وماهيته، لا عن مقداره وكميته، فان حمل المماثلة على التقدير فى المالية