بعيدٌ عن سياقها غايته كما عرفت(2)
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الوسائل ج 6، ب 5 من ابواب ما يجب فيه الخمس، حديث 2، ص 345.
2- مستند العروة الوثقى كتاب الخمس، ص 77 و 79.
128
وقال(قدس سره) فى موضع آخر من كتاب الخمس(1): فالمماثلة تستدعى اختصاص
الخمس فى الكنوز بالنقدين، كما أنها تستدعى اعتبار النصاب ايضاً، قضاءً لإطلاق
المماثلة الظّاهرة فى أنها من جميع الجهات اى فى الجنس والمقدار، فيعتبر فى تخميسه
بلوغه عشرين ديناراً ان كان من الذهب المسكوك ومِأتى درهم ان كان من الفضّة
المسكوكة.
وأنت ترى أن كلاميه لا يخلو من التناقض، حيث قال أوّلا: فان حمل المماثلة
على التقدير فى المالية، بعيد عن سياقها غايته.
وقال فى الموضع الثانى: كما أنها تستدعى اعتبار النصاب ايضاً قضأً لاطلاق
المماثلة الظاهرة فى انها من جميع الجهات أى فى الجنس والمقدار.
ولكنه لاعصمة الاّ لأهلها.
وما ذكره(قدس سره) لايمكن المساعدة عليه، فان السئوال فى صحيحة البزنطى ناظر الى
السئوال عن النصاب والمقدار جزماً، فان صاحب الرياض أسند الى الاصحاب أنهم،
فهموا منها المماثلة فى المقدار والمالية، نظير صحيحته الأخرى الواردة فى المعدن (قال:
سألت أبالحسن(عليه السلام) عمّا أخرج المعدن من قليل أو كثير هل فيه شىء؟ قال(عليه السلام): ليس فيه
شىء حتى يبلغ ما يكون فى مثله الزكاة عشرين ديناراً)(2)
وحيث ان السائل فى الصحيحتين هو البزنطى والمجيب هو الرضا(عليه السلام) وجهة
السئوال فيها هو النصاب فى المعدن والكنز، فيمكن أن يقال: إنّ الصّحيحة الثانية قرينة
على أن السئوال فيهما لا يكون عن الجنس فانّ السئوال عن الجنس فى الثانية، منتف
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- مستند العروة الوثقى كتاب الخمس، ص 96.
2- الوسائل ج 6، ب 4 من ابواب ما يجب فى الخمس، حديث 1.
129
جزماً، فيمكن ان يكون السئوال فى الأولى ايضاً كذلك، فعليه لا يبقى مجال للاستدلال
باختصاص خمس الكنز فى النقدين.
على أن كليهما مما يخرج من الأرض، أحدهما متكوّن فيها والآخر دفن فيها،
ويشملهما الرّكاز، فيقوى أن يكون حكمهما واحداً، فكما أن خمس المعدن عام لكل ما
هو ركاز، فكذلك الكنز، فلا يعتبر فى خمسهما الاّ النصاب.
ولو تنزّلنا عن ذلك، وإحتملنا أن غير الذّهب والفضّة المسكوكين كالعقيق
والفيروزج والياقوت واللّؤلؤ وامثالها والذهب والفضة بلا سكة وبقية الاحجار الكريمة،
إذا بلغت حد النصاب، فهل هى خارجة أم لا؟ فنقول: قد ثبت فى الاصول ان المخصص اذا
كان مجملا دار أمره بين الاكثر والاقل، نلتزم بخروج الأقل عن تحت العام او المطلق،
وفى الزائد عنه نتمسك بعموم العام والاطلاق، ففى المقام المقدار الذى نتيقن بخروجه
عن تحت قوله(ع): كلما كان ركازاً ففيه الخمس وقوله(ع): فى الكنوز الخمس، ما كان
كنزاً وركازاً ولم يبلغ حد النصاب، فهو خارج قطعاً، وأمّا الزائد عنه فالمرجع فيه هو العام
فيجب تخميسه لأنه ركاز بلغ حد النصاب.
فقد ظهر أنّ خمس الكنز لا يختص بالنقدين، بل يعم غيرهما ايضاً.
وهل يختص الكنز بالجواهر وهى الأشياء الثمينة أو يعمّ غيرها ايضاً؟ قد عرفت
من المصنف الاختصاص، ووافقه اكثر محشّى العروة، ولعل وجهه هو اختصاص مفهوم
الكنز بذلك،
قلت: إختصاص مفهوم الكنز بالجواهر لايثمر ثمرة، فان المدفون فى الارض لو
كان حديداً او صفرا او نحاساً او رصاصاً وامثالها يجب فيه الخمس اذا بلغ حد النصاب
لقوله(ع): كلما كان ركازا ففيه الخمس، فانّه يصدق عليها بلا اشكال فيجب فيها الخمس
إذا بلغت النصاب.
130
وسواء كان فى بلادالكفار الحربيين او غير هم او فى بلاد الاسلام(1) فى الارض الموات
وامّا الاشياء التى لا تبقى تحت الأرض الى أمد بعيد كالكتب والفراش والخشب
وامثالها فهى فى حكم اللّقطة فلا بد من إجراء حكمها عليها.
فقد ظهر مما ذكرنا ضعف بقية الاقوال، فلا حاجة الى النقص والابرام والبحث فيها.
(1) الجهة الخامسة فى حكم الكنز من حيث المكان الذى يوجد فيه، فان وجدفى
دار الكفر، لا اشكال فى جواز تملّكه واخراج خمسه، ولاخلاف فى ذلك بين الأصحاب،
وأمّا اذا وجد فى دار الاسلام، فعن المبسوط والقاضى والفاضلين والشهيدين (فى
البيان والمسالك) ونسب الى اكثر المتأخرين تارة والى الاشهر أخرى والى فتوى
الاصحاب ثالثةً، : أنه يجرى عليه حكم اللقطة;
وكأنّه لأن أرض الاسلام واثره معاً أمارة على تملك المسلم له، فلا تجرى فيه
أصالة الاباحة.
واستدلوا على ذلك بوجوه: الأوّل أصالة عدم تملكه من غير تعريف، فانّ الملكية
أمر حادث يحتاج ثبوته الى دليل، ومقتضى الأصل عدمه.
الثانى ان كونه فى دار الاسلام أمارة لكونه لمحترم المال من مسلم او ذمّى فان من
فى هذه الدّار محكوم بحصن الدم والمال، فما لم يثبت أنه فئ للمسلمين لا يجوز تملكه،
بل يجب الفحص عن مالكه.
الثالث موثقة محمد بن قيس عن ابي جعفر(عليهما السلام)قال: قضى على(عليه السلام) فى رجل
وجد ورِقًا فى خربة، ان يعرّفها، فان وجد من يعرفها والا تمتّع بها(1)
فانها تدل على عدم جواز تملك الورق قبل تعريفها، وقد حملوها على الكنز
باعتبار أن الورق الموجود فى الخربة اذا لم يكن كنزاً مذخورا تحت الأرض، لا معرّف له
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الوسائل ج 17، ب 5 من ابواب اللقطة، حديث 5، ص 355.
131
أو الأرض الخربة الّتى لم يكن لها مالك اوفى ارض مملوكة له بالاحياء او بالابتياع مع
العلم
ليعرّف، اذ لا علامة له حينئد، فانه سكّة من درهم او دينار كغيره من المسكوكات.
وقد أورد عليه غير واحد بأن مجرد كونه فى دار الاسلام، لا يكون أمارة شرعية
على أنه ملك للمسلم او ذمّى، فيمكن أن يتمسك بأصالة عدم وضع المسلم أو الذمى يده
على هذا المال، فيجوز استملاكه بعد احراز عدم احترامه بمقتضى هذا الأصل.
وقد استشكل على هذا الايراد بان مقتضى الأصل عدم جواز التصرف فى مال
أىّ أحد ما لم يثبت جوازه، فإن أخذ المال ظلمٌ وتعدٍّ وهو قبيح عقلا الاّ ما أخرجه الدليل،
مثل مال الكافر الحربي، فحرمة التصرف ليست منوطة بالاسلام، بل جواز التصرّف منوط
بالكافر الحربي فما دام لم يثبت أنه من الحربي، لا يجوز التصرّف فيه.
وبعبارة اخرى لو شككنا فى مال أنه من مسلم او حربى، كان مقتضى الاصل عدم
جواز التصرّف فيه، لا أنّ الأصل جوازه، الا اذا ثبت انه لمسلم، بل الامر بالعكس فالنتيجة
أنّ ما هو المعول عليه فى المقام هى اصالة الاحترام فى مال كل أحد بالسيرة العقلائية،
وحكم العقل القاضى بقبح الظلم، الا اذا ثبت ان الشارع ومالك الملوك ألغى احترامه
كمال الكافر الحربي، فبعده لا يراه العقل ظلماً، وهذا ما اختاره المحقق الهمدانى وسيدنا
الاستاذ الخوئى (قدس سرهما)
وقال أيضاً: ومن هنا لا ينبغى الشك من أحد حتى من صاحب المدارك فى أنّا اذا
وجدنا شخصاً مجهول الحال فى بادية وشككنا فى أنه مسلم او كافر حربي، لا يجوز لنا
أخذ ما له بأصالة عدم إسلامه، او رأيناه قد وضع ما له فى مكان معيّن او إدّخره فيه، فانّه لا
يجوز لنا إستملاكه بإجراء الأصل المذكور بالضّرورة.
وعلى الجملة فجواز التصرف عل الاموال يتوقف على احرازه إمّا باذن من المالك
او من مالك الملوك، فاصالة عدم وضع المسلم يده على هذا لمال لا اساس لها بتاتاً
132
بعدم كونه ملكاً للبايعين وسواء كان عليه اثر الاسلام ام لا ففى جميع هذه يكون لواجده
وعليه الخمس
ولايترتب عليها أثر، بل لا بد من الفحص والتعريف ولا يجرى عليه حكم الكنز.
وقد يستشكل عليه بانه (ان اريد حكم العقل الأولى بقبح التصرف فى مال الغير
بدون اذنه وكونه ظلماً، فلو سلّمت هذه الكبرى العقلية، فلا إشكال فى الشك فى تحقق
موضوعها فى المقام بحسب الفرض، بل لا اشكال فى ارتفاع موضوعها بحكم الشارع
وتجويزه التصرف فى المال، من غير فرق بين يكون التجويز واقعياً كما فى مال الكافر
الحربي، او ظاهرياً كما فى موارد الشك، وجريان اصل شرعىّ ناف لموضوع الحرمة،
والالزم عدم جريان الاستصحاب ولا الاصول والامارات الأخرى المؤمّنة فى باب
الاموال المشتبهة وهذا واضح البطلان.)
ويردّه أنه اذا سلّم حكم العقل والكبرى الكلية بقبح التصرف فى مال الغير وكونه
ظلماً، فلا يبقى مجال للشك فى تحقق موضوعها فى المقام فضلا عن ان يقال: بارتفاع
موضوعها بحكم الشارع، فان الموضوع لحكم العقل بقبح التصرف هو كونه مال الغير لا
كونه مال المسلم، حتى يقال: الاصل عدم وضع المسلم يده على هذالمال.
مع أنّه معارض بان الاصل عدم وضع الحربى يده على هذالمال، وجواز التصرف
يتوقّف على احراز انه مال الحربى.
فلنا ان نقول: ان كون هذالمال للغير محرز بالوجدان، وكونه من حربى منفى
بالاصل، فلايبقى مجال للقول بجواز التصرف، فان الموضوع لجوازه احراز ان هذالمال
مال الحربي.
نعم لو كان الموضوع لحكم العقلاء وسيرة العقلاء قبح التصرف فى مال المسلم
لكان لما ذكر مجال، فان اصالة عدم وضع المسلم يده على هذالمال تنفى قبح التصرف بل
الحرمة الا ان الامر ليس كذلك.
133
ومما ذكرنا ظهر بطلان ما فرّعه عليه وجعله لازماً عليه من قوله: (والاّلزم عدم
جريان الاستصحاب ولا الاصول والأمارات الأخرى المؤمّنة فى باب الاموال
المشتبهة)
وجه البطلان أن الأصول المؤمّنة، لا مانع لها أصلا، ألا ترى أنه لو كان الكافر
الحربى مالكاً للفرس، ووجدنا فرسه فى الصّحراء وشككنا فى أنه باعه من مسلم او باق
فى ملكه، او أسلم هو ام لا؟ لا مانع من جريان الإستصحاب فى الموردين واثره جواز
اغتنام الفرس وكذا اذا شككنا فى موته وكان له وارث مسلم، نستصحب حياته فنغتنمه.
واما الإستدلال بموثقة محمد بن قيس على أنّ الكنز فى بلاد الاسلام مطلقا
محكوم بحكم اللّقطة، فغير تامّ، لأنها بقرينة صحيحة محمد بن مسلم تحمل على صورة
إحتمال الوصول للمالك بالتعريف، روى عن ابي جعفر(عليهما السلام)قال: سألته عن الدار يوجد
فيها الورق، فقال: ان كانت معمورة فيها أهلها، فهى لهم، وان كانت خربة جلى عنها أهلها،
فالذى وجد المال أحق به(1)
وهى كما ترى ظاهرة فى ان اهل الخربة اذا جلى ولايمكن الوصول اليهم، فيكون
الواجد أحق به.
وفى موثقة محمد بن قيس(2) حيث لم يفرض جلاء الأهل، فيحتمل الوصول
اليهم، فلهذا أمر (ع) بالتعريف، فلو ادعى مالك الخربة أنها له; يسلّم إليه، وان لم يدّع
ذلك، كان الواجد هو المتمتّع بها.
وأمّا الصّحيحة الثانية لمحمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (فى حديث) قال: سألته
عن الورق يوجد فى دار؟ فقال(ع) ان كانت معمورة فهى لأهلها، فان كانت خربة، فانت
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- (2) الوسائل ج 17، ب 5، من أبواب اللّقطه، حديث 1 و 5 و 2، ص 354، 355.
134
أحق بما وجدت (1).
فهى تحمل بقرينة الأولى على عدم الوصول الى المالك.
وامّا النصوص المشتملة على الكنز الآمرة باخراج خمسه، فانها ناظرة الى الكنوز
الّتى لا يحتمل الوصول الى ملاّكها أو ورثتهم ـ كما هو الغالب ـ ولأجل هذا يظهر منها انها
للواجد.
منها صحيحة عماربن مروان (وهو اليشكرى الثقة) قال: سمعت اباعبدالله(عليه السلام)
يقول: فيما يخرج من المعادن والبحر والغنيمة والحلال المختلط بالحرام اذا لم يعرف
صاحبه والكنوز الخمس.(2)
فانها ظاهرة فى أن الكنوز للواجد كالمعدن والغوص والغنيمة;
ومنها صحيحة إبن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: الخمس على
خمسة اشياء: على الكنوز والمعادن والغوص والغنيمة ونسى ابن أبي عمير الخامس(3)
ولا يخفى أن هذالحديث روى الصّدوق فى الخصال عن احمد بن زياد بن جعفر
الهمدانى (كما فى جامع الأحاديث جلد 8، ص 564 ) وقد وثقه الصّدوق صريحاً (فما فى
الوسائل عن جعفر غلط) فان جعفر جدّ الراوى وهو لم يذكر فى الرّوات فلا اشكال فى أن
السند صحيح.
ومنها صحيحة الحلبى (فى حديث) قال: سألت أباعبدالله(عليه السلام) عن الكنز كم فيه؟
قال: الخمس، وعن المعادن كم فيها؟ قال: الخمس وعن الرصاص والصفر والحديد وما
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الوسائل ج 17، ب 5، من أبواب اللّقطه، حديث 2، ص 355.
2- الوسائل ج 6، ب 3 من ابواب ما يجب فيه الخمس، حديث 6، ص 344.
3- الوسائل ج 6، ب 3 من ابواب ما يجب فيه الخمس، حديث 7، ص 344.