135
كان من المعادن كم فيها؟ قال: يؤخذ منها كما يؤخذ من معادن الذّهب والفضة(1)
والمستفاد من هذه الصّحاح أن الكنز للواجد، كما أن المعدن والغوص والغنيمة له;
ولا فرق فى ذلك بين أن لم يكن للكنز وارث من الأوّل، أو كان و قد إنقراض، ومقتضى
القاعدة الإنتقال الى الإمام(ع) لأصالة عدم وجود وارث محترم، فيدخل فى موضوع من
مات وليس له وارث المحكوم بالدخول فى ملكه(ع) وهذا ما اختاره سيّدنا الاستاذ
الخوئى(قدس سره).
وقد استشكل عليه بعض تلامذته: (من أنه لو فرض احتمال عدم وجود وارث له،
وجريان استصحاب عدم الوارث، ثبت أنه للإمام(ع) ومن الانفال، وحينئذ لا يجوز
تملّكه، بل يجب دفعه الى الحاكم، لأنّ أخبار التّحليل لايستفاد منها جواز تملك كل ما
هو للامام(ع) من قبل الشيعى كيف، وإلاّ جاز تملّك مجهول المالك والخمس ومال
مسلم يموت ولا وارث له، وغيرها ممّا هو للامام(ع) مع أنه لا يقول به احد، بل المستفاد
من اخبار التحليل مجموع أمرين:
1 ـ إباحة التصرف فى رقبة الأرض التى كانت من الانفال.
2 ـ إباحة ما ينتقل من حقهم الى الانسان من قبل المخالف، أو الأعم منه ومن
الشيعى (الى ان قال): وثانياً لو فرض الإذن والاباحة فى التملك لم يكن عليه الخمس الاّ
بعنوان مطلق الفائدة، نظير من يتملّك مجهول المالك باذن الحاكم الشرعى (الى آخر
كلامه).
ولكن الظاّهر عدم ورود هذا لاعتراض على سيدنا الاستاذ(قدس سره)وذلك، لأن
المستفاد من روايات الكنز أمران; أحدهما الإذن فى التملك.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الوسائل ج 6، ب 3 من ابواب ما يجب فيه الخمس حديث 2، ص 342.
136
ثانيهما التخميس فوراً فانه لا خمس الاّ فى ملك، حيث أنّ الأمر بالتخميس اذن
فى تملّك البقية، وقد اعترف هو نفسه بذلك، قال: (غاية الامر حيث يعلم انه لا خمس الاّ
فى ملك، أو لا يجوز التصرف فى مال بدفع خمسه الاّ من قبل مالكه، فتشكلّ دلالة
التزامية بملاك دلالة الاقتضا، على أن الكنز يكون لواجده فى الجملة والاّ كان الحكم
بالتخميس لغواً، وهذا يكفى فيه ثبوت القدر المتيقن وهو الكنز الذى يعلم بعدم وجو
مالك محترم له كما فى الكنوز القديمة مما كان قبل الاسلام، ولعلّه حال اغلب الكنوز
فى زمن صدور هذه الروايات، فلا يمكن ان يستدل بها لاثبات التعميم المطلوب).
قلت: الكنوز جمع محلّى بالاّم تدلّ على العموم بالوضع فما دام لم يرد فيه
التخصيص نتمسك بأصالة العموم، ولا مجال لدعوى القدر المتيقن فى العموم الوضعى
كما هو واضح.
فمع دلالة النّصوص المشتملة على الكنوز على التخميس والتملك لا نحتاج فى
التملك الى اخبار التحليل حتى يناقش فى شمولها للمقام، كما لا نحتاج فى التخميس
الى الاخبار الآمرة بتخميس الأرباح بعد المؤونة.
وقد ظهر مما ذكرنا دفع اشكال آخر وهو ماقد يقال: (من أنا نعلم أن هذالمال للغير،
إمّا الوارث وإمّا الامام(ع) والمفروض ان القاعدة تحكم بالاشتغال وعدم جواز التصرف
فى مال الغير مطلقاً الاّ اذا أحرز إذن مالكه أو مالك الملوك وكلاهما مفقود هنا.
وجه الدفع أنه اذا شك فى وجود الوارث لمالك الكنز نستصحب عدمه فاذا نفى
الوارث بالتعبّد، يكون الكنز للامام(ع) وهو الوارث لمن لا وارث له وأمر الامام بتخميس
الكنز، دالّ على اكتفائه(ع) بالخمس وتحليل البقية للآخذ والمخرج له،
وبما أنه حكم شرعى إلهى، فقد أحرز إذن المالك و مالك الملوك، فكيف يقال: إن
كليهما مفقود فى المقام.
137
ولو كان فى أرض مبتاعة مع إحتمال كونه لأحد البايعين عرّفه (1) المالك قبله فان لم
يعرفه
(1) ذكر البيع إنّما هو للمثال، وإلاّ فلا خصوصية له، ويجرى الحكم فى كل ناقل
للعين من الهبة والارث والصلح والمهر و نحو ذلك، او ناقل للمنفعة كما اذا وجد
المستأجر كنزاً فى العين المستأجرة;
والكلام تارة فيما تقتضيه القاعدة، وأخرى فيما يستفاد من النصوص:
أمّا الكلام فى المقام الأوّل، فالمشهور فيه هو ما ذكره الماتن(قدس سره) من لزوم التعريف،
وقد يقال: إن مقتضى أصالة عدم وضع يد محترمة عليه، هو جواز التصرف وعدم لزوم
التعريف;
وفيه ما عرفت من أنّ كل ما كان للغير، لا يجوز التصرف فيه، الا باذن المالك او
مالك الملوك، ففى المقام حيث فرض احتمال كونه من أحد البايعين، فلابد من التعريف;
فيعرّف أوّلا البايع الأخير، فان عرفه، والاّ فالبايع قبله، فان لم يعرف فالبايع قبله
كل ذلك لقاعدة اليد، فالبايع الأخير ان لم يعرفه، سقطت يده فتحى اليد السابقة فان أنكره
فتحيى من قبلها;
وقد استشكل الأستاذ على هذه القاعدة بوجهين:
الأول أن قاعدة اليد امارة للمالكية، ومقتضاها اعطاء الكنز للبايع الأخير، بلا
تعريف، فلو وضع رجل وديعةً عند شخص ومات ذواليد، دفعها الوديعى الى ورثة ذى
اليد بلا تعريف وفحص، فلو كانت حجّةً فى المقام، لما كان مجال للتعريف.
الثانى لا حجّية لهذه اليد لأنّها زائلة غير فعلية، سواء قلنا: إن دليل حجيتها السيرة
العقلائية (وهى العمدة) أو بعض النصوص مثل ما دل على جواز الشهادة استناداً الى اليد،
فحجّيتها خاصة باليد الفعلية، وهى الكاشفة عن الملكية، وأمّا الزائلة، فهى ساقطة عن
درجة الاعتبار، ولا أمارّية لها بوجه لخروجها عن مورد السّيرة والأخبار بالضّرورة.
138
فالمالك قبله وهكذا فان لم يعرفوه فهو للواجد وعليه الخمس
قلت: اليد أمارة لما فى تحتها إذا كان ذواليد عالماً به، فلو باع داره و جاء بعد أيام
وقال: دفنت فى ناحية من الدّار دراهم ودنانير ولم يكن عندى مجال لإخراجها ونقلها،
يسمع ذلك منه ولا مجال للقول بأن يدك زالت فلا تكون أمارة للملك، واذا لم يكن
عالما بما فى تحت يده لا تكون اليد أمارة للملك;
والّذى يدلنا على ذلك (مضافاً الى حكم العقل) ما ورد فى السمكة التى حازها
من البحر وباعها، فوجد المشترى جوهراً فى جوفها، فحكم الامام(عليه السلام) بأنه للواجد،
وليس ذلك الاّ لأن اليد لا كاشفية فيها الاّ بالنسبة الى ما علمه ذواليد.
ففى المقام اذا احتملنا أنّ ذاليد كان عالماً به ونسيه حين البيع، لابد من أن يعرّف له
فانّ يده مظنة لوصول المال الى المالك، ويمكن ان يكون مراد المشهور هو ما ذكرناه
فعليه لا اشكال فيه.
وقد ظهر مما ذكرنا الجواب عن اشكال آخر فى المقام وهو ما قيل: (من أنّ
الصّحيح فى مناقشة هذالوجه انكار اصل اليد، فانّ الذّى انتقل عنه المكان، كانت يده
على الأرض والمكان، لا على ما جوفه من الأموال والكنوز المدفونة غير الظاهرة، ولا
دليل على أنّ مجرّد اليد على الأرض امارة على ما فى جوفها، إذ لا يمكن أن يستفاد من
أدلّة حجّية اليد اللفظية أو اللّبية، الأمارية لا كثر ممّا يكون تحت اليد بالمباشرة اى تحت
تصرفه لأن المراد باليد والمستفاد من أدلّة حجّيتها إنما هو ذلك، لا اكثر.)
توضيح الجواب أن اليد أمارة لمالكية ذى اليد لكل ما علمه تفصيلا أو جمالا، فلو
دفن البايع الكنز فى سرداب الدّار ونسى حين البيع أن يخرجه، فجاء بعد أيام لأن يخرجه،
فهل يجوز للمشترى أن يمنعه ببرهان أن يدك لم تكن عليه مباشرة؟ كلاّ،
نعم فرق بين اليد المباشرة وغيرها، فلو باع الدار ورحل عنها وبقى بساط هناك
فللمشترى ان يدفعه الى الدار التى انتقل اليه البايع فيفرغ بذلك ذمته، فانه لا يحتمل ان
139
يكون لشخص آخر، وهذا بخلاف الكنز فانه حيث لم يكن تحت يده مباشرة يحتمل انه
كان له ويحتمل أنه للبايع السابق أو الا سبق، فلهذا لا يفرغ ذمته بدفعه الى الدار التى انتقل
اليها بل لابد من تعريفه له، فان عرفه وإلاّ فيعرّف السابق أو الأسبق، والسرّ فيه أن ذاليد
المباشرى، نعلم انه عالم به فتكون يده أمارة تامة، وأمّا ذواليد الغير المباشرى فلا نعلم انه
عالم بما فى تحت يده، بل نحتمله فلهذا لابد من تعريفه له، فان عرفه، نعلم انه كان عالماً
بما فى تحت يده، فتكون يده أمارة تامة، وان لم يعرفه سقطت يده عن الاعتبار;
والحاصل أنّ البايع الأخير والسابق والاسبق، ان لم يعرفوه، واحتمل انه كان من
قديم الزمان ولم يكن له مالك محترم فعلا، يتملكه وعليه الخمس، وان علم ان له مالك
محترم فعلا، فان احتمل الوصول اليه، لابدّ من التعريف الواجب فى اللقطه، فان وجد، والاّ
يتصدّق عنه، هذا كله ما تقتضيه القاعدة;
وأمّا الكلام فى المقام الثانى، فنقول: إن الرّوايات التى يمكن ان يستدل بها او
يستأنس للمقام، ثلاث:
الأولى صحيحة عبدالله بن جعفر الحميرى قال: سألته(عليه السلام) فى كتاب عن رجل
اشترى جزوراً أو بقرة أو شاة أو غيرها للأضاحى او غيرها، فلمّا ذبحها وجد فى جوفها
صرّة فيها دراهم او دنانير او جواهر أو غير ذلك من المنافع لمن يكون ذلك؟ وكيف يعمل
به؟ فوقّع(عليه السلام): عرّفها البايع فان لم يعرفها فاالشيئ لك رزقك الله إياه(1)
تقريب الاستدلال واضح، فان السئوال عن البايع لا يكون الاّ لاجل الوصول الى
مالك الصّرة، فان كونه مالكاً لها هو اقرب الاحتمالات، وهو مظنّة وصول المال الى
مالكه، ففى المقام ايضاً نقول: إن البايعين مظنة لوصول المال الى مالكه، فلابد من
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الوسائل ج 17، ب 9 من ابواب اللّقطة، حديث 2 و 1، ص 359.
140
تعريفهم، ولا يضرّ بالاستدلال، أن الصرّة قد ابتلعت بين ايام قلائل، والكنز يحتمل قدمه،
وذلك لأنّ المستفاد منها، ان المال المحترم اذا امكن إيصاله الى مالكه، فلابد من السعى
فى ذلك، وهو يقتضى أن يعرّفه لمن كان المال تحت يده ولو تبعاً،
والحكم بتملّك الصّرة إمّا حكم ولائى صادر عن ولىّ الأمر، أو مبنى على حصول
اليأس من المالك حيث أن الحيوان يمشى فى أماكن مختلفة متباعدة بحيث ينتفى
عقلائياً العثور على مالكها، فانّ اللّقطة، عند ذلك يصّح تملّكها كما يصح التصدّق بها عن
مالكها.
الثانية موثقة إسحاق بن عمار قال: سألت أبا إبراهيم(عليه السلام) عن رجل نزل فى بعض
بيوت مكّة، فوجد فيه سبعين درهماً مدفونة، فلم تزل معه ولم يذكرها حتى قدم الكوفة،
كيف يصنع؟ قال: يسأل عنها أهل المنزل لعلّهم يعرفونها، قلت: فان لم يعرفوها، قال
يتصدّق بها;(1)
ومقتضى اطلاقها، السئوال عن اهل المنزل سواءً كانوا فيها أو باعوها وخرجوا منها
وسواء كانت منهم أو من الحجاج والزّائرين النازلين فيها، وليس ذلك إلاّ لأنّهم مظنة
لوصول المال الى المالك. فتقريب الإستدال واضح;
الثالثة صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليهما السلام) قال: سألته عن الدار يوجد
الورق فيها؟ فقال: ان كانت معمورة فيها أهلها، فهى لهم، وان كانت خربة، قد جلى عنها
أهلها، فالذّى وجد المال أحق به(2).
فهى وإن وردت فى اللّقطة إلا أنّ الإستيناس بها للمقام ممكن، فان الورق الذّى
يوجد فى خربة، قد جلى أهلها، لا يمكن إيصاله إلى مالكه لجلائه، فهو لواجده.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1-(2) الوسائل ج 17، ب 5، من ابواب اللقطة حديث 3 و 1 و 2، ص 355، 354.
141
وإن إدّعاه المالك السّابق فالسابق، أعطاه بلابيّنة(1) وان تنازع الملاّك فيه يجرى عليه
وقد وردت صحيحة أخرى عن محمد بن مسلم عن احدهما(عليهما السلام)(فى حديث)
قال: سألته عن الورق يوجد فى دار فقال: ان كانت معمورة فهى لأهلها، فان كانت خربة،
فأنت أحق بما وجدت.
والخربة فيها تقيّد بقرينة الصّحيحة السّابقة بما جلى عنها أهلها، فانه فى فرض
الجلاء، لا يمكن إيصاله إلى مالكه، فلهذا يكون الواجد أحقّ به
وأمّا موثقة محمد بن قيس الآمرة بالتعريف فتحمل على الورق التى لها علامة عن
أبى جعفر(عليهما السلام) قال: قضى على(ع) فى رجل وجد ورقة فى خربة أن يعرّفها، فان وجد
من يعرفها، والاّ تمتّع بها(1)
وفى معجم الوسيط: الورق بالفتح يراد بها الدّرهم، وبالكسر يراد منها الفضة سواء
كانت مسكوكة أو غير مسكوكة،
فتحمل على الفضة الّتى لها علامة، والاّ فلا تكون قابلة للتّعريف.
وعلى الجملة، المستفاد من الرّوايات أن مال الغير ان أمكن إيصاله الى مالكه، لابدّ
منه وإلاّ فرخّص فى التّملك، كما رخّص فى التّصدق عن مالكه بحسب اختلاف الموارد.
(1) ان حصل الوثوق من كلامه، لاحاجة الى البينة، كما اذا ذكر بعض العلائم
والأمارات الموجبة للوثوق، كما هو المستفاد من صحيحة عبدالله بن جعفر وموثقة
اسحاق المتقدمتين فان المعرفة لا تتحقق بدون ذكر بعض الخصوصيات والعلائم.