ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الوسائل ج 6، ب 10 من ابواب ما يجب فيه الخمس، حديث 4، ص 353.
192
موارد الخمس من الغنمية والمعدن والكنز والغوص وأرباح المكاسب، بل الخمس
هنامطّهر ويكون الباقى له بعد الخمس.
فعليه يكون له التّصدّى لتطيهر المال بنحو آخر بأن يعطى المجهول المالك بأجمعه
للفقير قاصداً للتصّدق بما فيه من مال الغير، فيكون ردّاً للمظالم، وحيث ان السهمين
مجهولان حسب الفرض فيقتسمان بعد ذلك بالتّراضى أو القرعة أو نحو ذلك فيحصل
التطهير وتُبرء الذمة.
وأمّا رواية السكونى فايضاً غير ظاهرة فى وجوب التصدّق بنحو الوجوب
التعيينى فانها واردة فى مقام دفع توّهم الحظر من أجل احتمال عدم جواز التصرف فى
المال المختلط حتى بالتصّدق، فغاية ما يستفاد منها جواز التصدّق بخمس المال المختلط
فالنتيجة أن المكلّف مخيرّ بين التخميس والتصّدق.
وفيه أوّلا أن الامر بالتخميس ثابت لصحيحة عمار بن مروان المتقدمة فانها
كالصريح فى ان المال المخلتط بالحرام يخمّس، وظاهرها ان الخمس فيه كالخمس فى
الغنيمة والمعدن وغيره، وحمل الخمس فيها على معنى آخر، مخالف لظاهرها لوحدة
السياق، كما هو واضح.
وثانياً أنّ معتبرة السكونى قد عرفت اختلاف نسخة الكافى والفقيه فيها فانّ الثانى
مشتمل على التخميس; فالتصدّق بالمال المختلط غير ثابت، وصحيحة عمار ترجّح
نسخة الفقيه، بل ذيل المعتبرة على نسخة الكافى ايضاً يرجح نسخة الفقيه، حيث قال
فيها: (فان الله قد رضى من الأشياء بالخمس).
فعليه يكون القول: بالتخيير بين التخميس والتصدّق اجتهاداً فى مقابل النص.
وقد ظهر مما ذكرنا أنّه لا مجال لدعوى ورود الأمر بالتّصدّق فى مقام دفع توهم
الحظر، لما عرفت من أن الأمر بالتّصدّق غير ثابت لإختلاف النسختين، والترّجيح انما هو
193
وامّا إن علم المقدار ولم يعلم المالك تصدّق به عنه (1)
بالتخميس لوجهين كما عرفت.
ثم لا يخفى أن صحيحة عمار بن مروان الدّالة على التخميس تخصّص الرّوايات
الدّالة على أن المال المجهول المالك يتصدّق به من قبل المالك، لانّ مورد الصّحيحة
خاص بالمختلط، فاذن لايبقى مجال للقول بالتخيير بين التخميس والتصدّق بل المتعيّن
هو التخميس، ومصرفه مصرف سائر الاقسام على الاقوى.
(1) الأقوال فى المسألة ايضاً ثلاثة: أحدها ما عن صاحب الحدائق من وجوب
التخميس هنا ايضاً، فيلحق بالفرع السابق، وهو ما اذا لم يعلم المقدار ولا المالك.
ثانيها التخميس ثم التصدّق بالزائد ان علم ان الحرام المختلط اكثر من الخمس بل
يكون بمقدار ربع المال مثلا.
ثالثها ما حكاه الشيخ الاعظم الأنصارى(قدس سره) من وجوب التصدّق سواء كان الحرام
اكثر من الخمس أو أقل منه أو بمقداره، وعن المحقق الثانى ايضاً انتسابه إلى المشهور.
وعن الحدائق ـ بعد أن حكى القول بوجوب التصدّق ثم الصدقة بالزائد فى صورة
الزّيادة ـ قال: (ولقائل ان يقول: إن مورد تلك الاخبار الدالة على التصدّق انما هو المال
المتميّز لحدّ ذاته لمالك مفقود الخبر، والحاق المال المشترك به ـ مع كونه مما لا دليل
عليه ـ قياس مع الفارق (الى ان قال): وبما ذكرنا يظهر ان الاظهر دخول هذه الصورة
تحت اطلاق الاخبار المتقدمة وأنه لا دليل على اخراجها.)
وفيه أولا ان التعميم فى صحيحة عمار وموثقة السكونى لصورة العلم بالمقدار
لايحتمل فلو فرض أن الحرام الف تومان، والحلال تسعة وتسعون الف تومان، كيف
يحكم باعطاء عشرين الف تومان، وكذا العكس كما اذا كان الحلال الف تومان والحرام
تسعة و تسعون الف تومان، فكيف يحكم بحلية الجميع باعطاء عشرين الف تومان.
وثانياً أن ذيل معتبرة السكونى ناطق بأن الله قد رضى من الاشياء بالخمس، وهو
194
ظاهر فى الاختصاص بصورة الجهل بالمقدار، لأنّ المرجع فى حكم المجهول المطلق
هوالله، وأمّا إن علم المقدار، فالمرجع فيه هو المالك، فعليه يكون التعليل حاكما على
اطلاق صحيحة عمّار لو فرض له إطلاق، فتختص بصورة الجهل بالمقدار.
ولكنّ هذالوجه لايخلو عن تأمل، فانّ الله (عزّوجلّ) اذا رضى فى معلوم المقدار
بالخمس، فله إرضاء المالك بذلك وهو مالك الملوك، فعليه لايبقى لذيل المعتبرة ظهور
فى الاختصاص بصورة الجهل بالمقدار، فلا يصلح للحكومة على صحيحة عمّار، فعليه
تكون العمدة هو الوجه الأوّل.
وأمّا القول الثانى، فيمكن أن يستدل له بأن الخمس واجب لأجل صحيحة عمار
ومعتبرة السكونى، والصّدقه بالزائد واجبة للرّوايات الّدالة على أن المجهول المالك
يتصّدق به.
وعلى هذالقول لو كان الحرام أقل من الخمس، يتعيّن التّصدق ولا يجب
التّخميس.
وفيه أنّ أدلة التخميس ان شملت صورة العلم بالمقدار، فلا حاجة الى التّصدق الا
ترى أن ذيل المعتبرة ناطق بانّ الله رضى من الأشياء بالخمس، فبعد رضاه (جلّ شأنه) لا
حاجة الى الصّدقة، فان مالك الملوك قادر على إرضاء المالك، وان لم تشملها ـ كما
استظهرناه ـ فلا حاجة الى التخميس، بل لابد من التصدّق بالمقدار الحرام، وان كانت
النّصوص الدّالة على التّصدّق مختصة بالمتميّز، فانه من المقطوع عدم جواز اتلافه
واحراقه، فامّا أن يتملك مجموعه ويتصرّف فيه كيفما يشاء وهذا أيضاً لا يجوز لحرمة
التّصرف فى مال الغير، فلابد من التّصدّق فانه نوع إيصال له إلى مالكه.
وقد ظهر مما ذكرنا أن الأقوى هو القول الثالث من وجوب التّصدق فى معلوم
المقدار; ويمكن أن يستفاد ذلك ايضاً من الروايات الواردة فى المال المجهول المالك;
195
منها معتبرة داوود بن ابي يزيد عن ابي عبدالله(عليه السلام) قال: قال رجل: إنّى قد
أصبت مالا وانى قد خفت فيه على نفسى، ولو اصبت صاحبه دفعته اليه، وتخلّصت منه،
قال: فقال له أبو عبدالله(عليه السلام): والله أن لو أصبته كنت تدفعه إليه؟ قال: إى والله، قال: فأنا
والله ماله صاحب غيرى قال: فاستحلفه أن يدفعه الى من يأمره، قال: فحلف فقال: فاذهب
فاقسمه فى إخوانك، ولك الأمن مما خفت منه قال: فقسّمته بين اخوانى.(1)
وهذه المعتبرة كما ترى، ظاهرة فى أن المال المجهول مالكه ملك للامام(عليه السلام)
كإرث من لا وارث له، فأمر(ع) ان يتصدق به.
ومنها صحيحة يونس بن عبدالرّحمن قال: سُأل أبوالحسن الرّضا(عليه السلام) وأنا حاضر
ـ الى أن قال: فقال: رفيق كان لنا بمكّة فرحل منها الى منزله ورحلنا الى منازلنا، فلمّا ان
صرنا فى الطريق، أصبنا بعض متاعه معنا فأى شيئ نصنع به؟ قال: تحملونه حتّى تحملوه
الى الكوفة، قال: لسنا نعرفه ولا نعرف بلده ولا نعرف كيف نصنع؟ قال: اذا كان كذا فبعه
وتصدّق بثمنه، قال له: على من جعلت فداك؟ قال: على أهل الولاية.(2)
ومنها موثقة إسحاق بن عمار قال: سألت ابا إبراهيم(عليه السلام)عن رجل نزل فى بعض
بيوت مكّة فوجد فيه نحواً من سبعين درهماً مدفونة فلم تزل معه ولم يذكرها حتى قدم
الكوفة كيف يصنع؟ قال(ع) يسأل عنها اهل المنزل لعلّهم يعرفونها، قلت: فانْ لم يعرفوها؟
قال يتصدق بها.(3)
وهذه الروايات ـ كما ترى ـ ناطقة بالتصدق فى المال الّذى لا يعرف صاحبه الاّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الوسائل ج 17، ب 7 من ابواب اللقطة، حديث 1، ص 357.
2- الوسائل ج 17 ب 7 من ابواب اللّقطة، حديث 2، ص 357.
3- الوسائل ج 17، ب 5 من أبواب اللّقطة، حديث 3، ص 355.
196
أنّ مواردها هى الأموال المتميزة لا المخلوطة، فبناء على الغاء خصوصية المورد كما
هوليس ببعيد، نتمسك بها فى الموارد المخلوطة ايضاً، فكل مورد لا تشمله الروايات
المشتملة على التخميس، لا بدان يتصدّق بالحرام المخلوط.
على أن إطلاقها يشمل ما إذا وضعها بين دراهمه واختلط بها.
ثم إن سيدنا الاستاذ(قدس سره) قال: (نعم هنا رواية واحدة لا يبعد شمولها للمتميّز وغيره
وهى رواية على بن ابى حمزة (قال: كان لى صديق من كتّاب بنى أمية، فقال لى: استأذن
لى على ابي عبد الله(عليه السلام) فاستاذنت له عليه فأذن له فلّما أن دخل سلّم و جلس، ثم قال:
جعلت فداك، انى كنت فى ديوان هؤلاء القوم فأصبت من دنياهم مالا كثيراً، واغمضت
فى مطالبه فقال أبوعبدالله(عليه السلام): لولا أن بنى أمية وجد والهم من يكتب ويجبى لهم الفىء
ويقاتل عنهم ويشهد جماعتهم، لما سلبوانا حقّنا، ولو تركهم الناس وما فى أيديهم ما
وجد واشيئًا الاّ ما وقع فى أيديهم قال: فقال الفتى: جعلت فداك فهل لى مخرج منه؟ قال:
ان قلت لك تفعل؟ قال: أفعل قال له: فاخرج من جميع ما كسبت (اكتسبت) فى ديوانهم
فمن عرفت منهم رددت عليه ما له ومن لم تعرف تصدقت به، وأنا اضمن لك على الله
(عزوجل) الجنّة، فأطرق الفتى طويلا ثم قال له: لقد فعلت جعلت فداك، قال ابن ابي
حمزة فرجع الفتى معنا الى الكوفة فما ترك شيئًا على وجه الأرض الاّخرج منه حتى
ثيابه الّتى كانت على بدنه قال: فقسمت له قسمة واشترينا له ثياباً وبعثنا اليه بنفقة، قال:
فما أتى عليه الاّ أشهر قلائل حتى مرض، فكنّا نعوده قال: فدخلت يوماً وهو فى السوق
قال: ففتح عينيه ثم قال لى: يا على وفى لى والله صاحبك، قال: ثم مات فتولّينا أمره،
فخرجت حتى دخلت على ابي عبد الله(عليه السلام)، فلّما نظر الىّ قال لى: يا على وفينا والله
لصاحبك، قال: فقلت: صدقت جعلت فداك والله، هكذا والله قال لى عند موته).(1)
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الوسائل ج 12، ب 47 من ابواب ما يكتسب به، حديث 1، ص 144.
197
والأحوط أن يكون باذن المجتهد الجامع للشرائط(1) ولو انعكس بان علم المالك
وجهل المقدار تراضيا
قال الأستاذ: (فان من البعيد جداً ان يكون هذا الشخص عارفا باشخاص الأموال
التى كانت لغيره بل بطبيعة الحال يكون اكثرها نقوداً مختلطة فى أمواله ولو بين من
يعرف ما لكه وبين من لا يعرف، فأعطى الإمام(ع) له الولاية باعطأ من يعلم بمقدار ما
يعلم، والتصدّق عمن لا يعرفه، ولكنها ضعيفة السند جداً لان فى سندها ابراهيم بن
اسحاق النهاوندى وهو ضعيف فلا يعتمد عليها.)
وفيه ان الاستدلال بها لرد صاحب الحدائق لا يتم ولو كان السند معتبراً لان فى
مورها يكون تفريغ الذمة منحصراً فيما ذكره(عليه السلام) ولا يحتمل وجوب الخمس هنا لأنّ ما
فى يده كلّه كان حراماً، وصاحب الحدائق يقول بالتخميس اذا اختلط الحرام بالحلال وان
كان مقدار الحرام معلوماً.
نعم يمكن ان يستأنس بها بوجه آخر وهو انه يستفاد منها ان مقدار الحرام ان كان
معلوماً فلابدّ من ان يتصدق به، ففى مورد الرواية حيث كان كل المال حراماً فما عرف
صاحبه ردّه اليه ومالم يعرف صاحبه يتصدّق به.
وحيث أنّها ضعيف السّند فتكون مؤيّدةً للمقام.
فعليه يكون التخميس منحصراً فى فرض اختلاط الحرام بالحلال وعدم العلم
بالمقدار ولا بالمالك.
(1) الوجه فيه أن المال المجهول ما لكه بما أنه مال الغير يحتاج التصرف فيه الى
اذن من له الولاية على مال الغائب، وفى عصر الغيبة لا ولاية الاّ للمجتهد الجامع
للشرائط فانّه نائب عن ولى الأمر(عج).
وتدل على ذلك معتبرة داود بن ابي يزيد وصحيحة يونس بن عبد الرّحمان
198
المتقدمتان(1) فان قوله(عليه السلام): (والله ما له صاحب غيرى) وان كان ظاهراً فى كونه ملكاً
شخصيًا له، إلاّ أنه لابد من رفع اليد عن هذا الظهور بوجوه:
الأوّل عدم سئواله عن نوعية المال، فلو فرض ان نوعًا من المال ضاع منه(ع)
لسأل عن نوعيته، فمنه يظهر أن مراده الولاية على المال لا أنه مالك حقيقىّ والاّ كان
له(ع) ان يملكه للواجد.
الثانى عدم مطالبته فلو كان ملكا له(ع) لطالبه منه ولو شاء لتصدّق به بيده.
الثالث الأمر بالتصدّق كبقية النصوص الدالة على ذلك، ظاهر فى أنه ليس ملكاً
له(ع) بل ملك للغير.
الرابع قوله(ع) ولك الأمن ممّا خفت منه فانّه ظاهر فى أن التصدّق موجب للأمن
لا أن صرف ما له الشخصى موجب له.
الخامس لو اغمضنا عن جميع ذلك كلّه، تكون النصوص ا لكثيرة الآمرة
بالتصدّق بالمال الذى لا يعرف صاحبه، قرينة على حمل قوله: (ما له صاحب غيرى) على
الولاية والمرجعية لا الملكية الشخصية.
السادس أن المعروف بين الاصحاب انه يتصدق به عن المالك المجهول ولم
يحك عن أحد أنّه يتصدّق به عن الإمام(ع) فهو قرينة على ولايته لا ملكيته.
وأمّا صحيحة يونس فايضاً تدلّ على ولايته لا ملكيته حيث أمر(عليه السلام)ببيعه
والتصدّق بثمنه على أهل الولاية، فانه كاشف عن ولايته عليه والاّ لم يأمر بالبيع