والتّصدّق بثمنه.
وأمّا احتياط المصنف بالاستيذان وعدم الافتأبه فمنشأه الروايات الآمرة
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- ص 208.
199
بالصلح ونحوه(1) وإن لم يرض المالك بالصلح ففى جواز الاكتفاء بالأقل او وجوب
اعطاء الاكثر، وجهان الأحوط الثانى والأقوى الاوّل اذا كان المال فى يده وان علم
المالك والمقدار وجب دفعه اليه.
بالتّصدّق للمال المجهول المالك واحتمال أن نفس الأمر به اذن من ولى الأمر بالتصدق،
واحتمال ان تكون الروايات فى مقام بيان الحكم الشرعى وان حكم المال المذكور هو
وجوب التصدّق به ولم تكن فى مقام بيان اعتبار الاذن وأن نفس الامر بالتصدق اذن
منه(عليه السلام)بالتصدق، وحيث ان الاصل عدم جواز التصرّف فى مال الغير، وتحقق الإذن من
ولى الامر مشكوك فالأحوط هو الإستيذان من الحاكم.
(1) إن تراضيا بالصّلح فلا كلام، وكذا لو تراضيا بالقرعة، فلو كانت المحتملات
ثلاثة (النصف، الربع، الثلث) يكتب كل واحد فى رقعة، فيأخذ بعد الاختلاط أحدها
ويعمل به.
وان لم يرض المالك بالصّلح فالوجوه المحتملة ثلاثة: التخميس، او اعطاء الاقل
أو إعطاء الاكثر.
الوجه الاول أنه نسب الى العلامة(قدس سره) التخميس وان احتمل الزيادة والنقيصة،
واستدل له برواية الحسن بن زياد المتقدمة.
وفيه اوّلا انها ضعيفة السند بحكم بن بهلول وهو لم يوثق ولم يمدح.
وثانياً ان ذيلها هكذا: (واجتنب ما كان صاحبه يعلم) فلو اغمضنا عن السند لا
يصح الاستدلال ايضاً لأنّ المفروض فى المقام أن المالك يعرف.
والعجب من السيد الحكيم(قدس سره) حيث التزم باطلاقها وقال: إنه مقيّد بمصحّح
عمارالمقيّد بصورة الجهل بالمالك.
200
وثالثاً إنه اجتهاد فى قبال النص فان صحيحة عمار ناطقة بالتخميس فيما اذا لم
يعرف المالك، فاذا عرف لادليل على التخميس.
الوجه الثانى هو الاكتفاء بالاقل ـ كما اختاره المصنّف ـ فيما اذا كان المال فى يده،
وبرائة ذمة المالك بدفع الاقل الى مالك الحرام يتوقف على أمور:
احدها أن تكون اليد أمارة للملكية حتى بالنسبة الى الكّلى، فان كل جزء من اجزأ
المال المختلط اذا كان شخصيًا تتعارض قاعدة اليد فيه بقاعدتها بالنسبة الى غيره من بقية
الاجزاء الخارجية للعلم الاجمالى بأن بعضها يكون ملكاً للغير، فاجراء القاعدة فى بعضها
ترجيح بلا مرجح، وفى الجميع موجب لطرح العلم الاجمالى بان بعضها للغير
وأمّا بالنسبة الى الكلّى، فان قلنا بان قاعدة اليد أمارة بالنسبة الى الاكثر فهو ملك
لذى اليد، والذى يتيقّن بخروجه عن تحتها هو الأقل وهو يكون لمالك الحرام، الظاهر هو
جريان القاعدة بالنسبة الى الكلى وهو الاكثر فيحكم بأنّ الزائد على الأقل ملك لذى اليد
لأجل قاعدتها، فان كان المختلط مثليًا كالدراهم والحنطة والشعير والسمن وامثالها،
فالظاهر انه يجوز لذى اليد التقسيم وتسليم الأقل لمالك الحرام، وان كان الاحوط هو
الاستيذان من الحاكم.
ثانيها ان تكون اليد امارة حتى بالنسبة الى ذيها، فان المسلّم هى اماريتهابا لنسبة
الى الغير، فلو رآى مالا فى يد غيره يحكم بانه ملكه وأما بالنسبة الى ذيها فمحل تأمل
واشكال: فكيف يحكم ذو اليد بانه مالك للمال لأجل أنه فى يده ولم يعلم أنه دخل فى
ملكه ام لا؟ فان الانسان اعرف بما فى يده وتحت سلطانه وانه له او لغيره نعم يمكن ان
يقال: الغالب هو العلم بأنّ ما فى يده له او لغيره وقد ينسى الانسان سبب ملكيته، فيحكم
بأنه ملكه لأنه فى يده.
ثالثها أنّ التقسيم والافراز يحتاج الى الإذن من الحاكم، و لا سيما فى القيميات
201
والأحوط هو الاستيذان من الحاكم مطلقا.
والحاصل أن دفع الأقل يوجب برائة الذمة، اذا قلنا بجريان قاعدة اليد بالنسبة الى
الكلى، وقلنا بحجيتهابالنسبة الى نفس ذى اليد ايضاً واستأذن حين دفع الأقل من الحاكم.
الوجه الثالث أن برائة الذّمّة تحصل على دفع الاكثر على كل تقدير، وأمّا دفع الأقل
فيوجب البرائة فى خصوص ما اذا لم يكن ذو اليد مقصّراً فى اقتناء مال الغير وعدم دفعه
اليه، فلو علم تفصيلا أنّ مقداراً معيناً من مال الغير عنده، وهو لا يرضى بذلك، فتسامح
فى الدفع حتى نسى المقدار، فهنا يجب دفع الاكثر لأن التكليف كان منجزاً بالنسبة اليه
ولا يعلم بحصول الامتثال وفراع الذمة الاّ بدفع الاكثر فلو دفع الأقل وكان مال الغير فى
الواقع هو الاكثر يستحق العقوبة، لأنه قصّر فى دفعه الى مالكه حتى نسى مقداره.
ونظير المقام ما اذا علم اجمالا بنجاسة أحد الكأسين وصار التكليف منجزاً ثم فقد
أحد هما، وقد اتفقوا على وجوب الاجتناب عن الآخر، فأنّ العلم بنجاسته فعلا وإن كان
منتفياً الا أنه قبل فقدان أحدهما قد تنجز التكليف وهو باق فلو شربه وكان فى الواقع
نجساً استحق العقاب.
وقد يستشكل على ذلك بانّ العلم بالحرام إن اريد به العلم التفصيلى السابق فقد
زال بالنسيان بحسب الفرض، وبزواله تزول منجّزيته، فان منجّزية كل منجّز تدور مداره،
والعلم فى كل زمان منجّز لمتعلّقه فى ذلك الزّمان لا اكثر، ولهذا لا منجّزية فى موارد
الشك السّارى.
وهذالاشكال لا أساس له أصلا، فان العلم فى المقيس عليه ايضاً قد زال بعد
فقدان أحد الطّرفين، فكيف يبقى منجزيته، والتشبيه بالشك السارى عجيب فانه اذا طرأ
يوجب زوال التنجيز فى المقيس والمقيس عليه بلا فرق أصلا.
وملّخص الكلام فى المقامين أنّ التكليف اذا تنجز بالعلم أو الحجة الأخرى كانت
202
مخالفته القطعية موجبة لاستحقاق العقاب قطعًا ومخالفته الإحتمالية موجبة لا ستحقاب
العقاب احتمالا، فلا بد من تحصيل المؤمّن وهو فى المقامين ليس الاّ الاحتياط وهو فى
إعطاء الاكثر، فلو اعطى الاقل وكان الحرام هو الاكثر واقعاً، كان مالك الحلال مستحقّاً
للعقاب لأنه قد خالف التكليف المنجز بترك الاحتياط فعلا وبعدم دفعه الى مالكه قبل
عروض النسيان، فان النسيان المسبوق بالتقصير لا يكون عذراً أبداً.
هذا كله فيما اذا كان المال بيده، وأمّا اذا لم تكن المال بيده وكان بيد ثالث او لم
يكن يد عليه أصلا، فاذا دار الامر بين الأقل والاكثر، فلا اشكال فى أنّ الأقل المتيقّن
يعطى لمالكه والاكثر المتيقن يعطى لمالكه، فلو كان مجموع المال خمسة دراهم يعطى
لمالك الاقل درهم واحد ولمالك الاكثر ثلاثة دارهم ويبقى درهم واحد فى البين فهل
يرجع فيه الى قاعدة العدل والانصاف، فينصّف بينهما أو يرجع الى القرعة؟ فيه خلاف،
وقد يقال بالصّلح جبراً.
واستدل للتنصيف بقاعدة العدل والإنصاف وان هذه القاعدة هى المركوزة عند
العقلاء فهى قاعدة عقلائية، ولعلّ نكتتها أن فى التنصيف يكون وصول الحق الى صاحبه
ولو بمقدار النصف، وهو أولى من إعطائه لأحدهما الذى يحتمل فيه حرمان المالك،
وبعبارة أخرى العقلاء يرجّحون الموافقة القطعية المقرونة بالمخالفة القطعية على الموافقة
الاحتمالية المقرونة بالمخالفة الاحتمالية، والروايات الدلة على التنصيف تكون إمضاء
لهذه القاعدة:
منها صحيحة عبد الله بن المغيرة عن أبي عبد الله(عليه السلام) فى رجلين كان معهما در
همان، فقال احدهما: الدرهمان لى، وقال الآخر: هما بينى وبينك. فقال: أمّا الذى قال:
هما بينى وبينك، فقدأ قربأن احد الدرهمين ليس له، وانه لصاحبه وبقسّم الآخر
203
بينهما.(1)
ومنها موثقة اسحاق بن عمار المتقدمة(2)
ومنها موثقة غياث بن ابراهيم عن ابي عبدالله(عليه السلام) المتقدمة(3)
ومنها معتبرة السكونى عن الصادق عن ابيه(عليهما السلام) فى رجل استودع رجلا دينارين
فاستودعه آخر ديناراً، فضاع دينار منها، قال: يعطى صاحب الدينارين ديناراً ويقسّم
الآخر بينهما نصفين.(3)
وانت ترى أنّ الامام(عليه السلام) حكم بالتنصيف فى موارد التدّاعى والوديعة وبما أنّ
المورد لا خصوصية له، فيحكم بالتنصيف فى كل مورد كان المال مردداً بين شخصين ففى
المقام ايضاً لا بد من التّنصيف.
ولكن فى قبال هذه الروايات روايات اخرى تدل على القرعة:
منها صحيحة داود بن سرحان عن ابي عبد الله(عليه السلام)فى شاهدين شهدا على امر
واحد، وجاء آخران فشهدا على غير الّذى شهدا عليه (شهد الاّ ولان) واختلفوا قال: يقرع
بينهم فأيّهم قرع عليه اليمين وهو اولى بالقضاء.(4)
ومنها صحيحة عبد الرحمان بن ابي عبد الله عن ابى عبدالله(عليه السلام) قال: (كان
على(عليه السلام)اذا أتاه رجلان (يختصمان) بشهود عدلهم سواء وعددهم اقرع بينهم على أيّهما
تصير اليمين الحديث)(6)
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الوسائل ج 13، ب 9 من احكام الصلح، حديث 1، ص 169.
2- (3) ص 158.
3- الوسائل ج 13، ب 12 فى احكام الصلح، حديث 1، ص 171.
4- (6) الوسائل ج 18، ب 12 من ابواب كيفية الحكم، حديث 6، 5، ص 183.
204
ومنها حسنة محد بن حكيم عن ابي الحسن(عليه السلام) قال: سألت أبالحسن(عليه السلام)عن
شيىء؟ فقال لى: كل مجهول ففيه القرعة، قلت له: ان القرعة تخطىء وتصيب، قال: كلّما
حكم الله به فليس بمخطئ.(1)
ومنها صحيحة أبي بصير عن أبى جعفر(عليهما السلام) قال بعث رسول الله علياً(عليهما السلام)الى
اليمن، فقال له حين قدم: حدِّثنى باعجب ما ورد عليك، فقال: يا رسول الله أتانى قوم قد
تبا يعوا جارية، فوطأها جميعهم فى طهر واحد، فولدت غلاماً، فاحتجوا فيه كلّهم يدّعيه،
فاسهمت بينهم، فجعلته للذى خرج سهمه وضمنته نصيبهم، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): ليس
من قوم تقارعوا ثمّ فوّضوا أمرهم الى الله إلاّ خرج سهم المحقّ(2)
اذا عرفت ذلك فنقول: ان الاخبار الدالة على التنصيف وردت فى التّداعى
والودعى، فنلتزم بالتنصيف فى مواردها، وأمّا الالتزام بالتنصيف فى جميع موارد
الإختلاط لأجل تلك النصوص، فمشكل لعدم وجود الاطلاق أو العموم فيها.
ودعوى أنها ممضية للقاعدة المركوزة فى الاذهان وهى قاعدة العدل والانصاف
مدفوعة، بان القاعدة المذكورة ليست مركوزة فى الأذهان عند العقلأ، بل المركوز عندهم
مع العلم بان المال ليس مشتركا بين الشخصين بل مختص باحدهما هى القرعة
لاالتنصيف، فالا لتزام بالتنصيف فى مورد النصوص الخاصة انما هو للتّعبد.
فقاعدة العدل والانصاف بحسب الارتكاز مختصة فى المال المشترك بين فردين
اذا لم يعلم أنّ سهم أحدهما اكثر من الأخر او مساوله او اقل منه.
واما مع العلم بعدم الاشتراك وعدم معرفة المالك تفصيلا فالمرتكز فى الاذهان
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الوسائل ج 18، ب 13 من أبواب كيفية الحكم، حد يث 11، ص 189.
2- الوسائل ج 18، ب 13 من أبواب كيفية الحكم، حديث 6، ص 188.
205
هى القرعة واخبارها إمضاء لما هو المرتكز فيها وبما أنها طريق الى الواقع فلا تكون
مخالفة لقاعدة العدل والانصاف، بل مؤكدة لها فان العدل يقتضى وصول المال الى المالك
والقرعة طريق اليه.
ان قيل: إنّ روايات القرعة واردة فى الأمور المشكلة المحيّرة والّتى لا طريق
ميسور للحلّ فيها كالمردّد بين أن يكون ذكراً او أنثى، وان يكون حّرا او عبداً او ابن هذا او
ذاك، فلا تشمل مثل المال المردّد بين اثنين أو اكثر والذى يكون حلّه سهلا بالتراضى أو
التقسيم او التنصيف، وليس من المشكلات عرفاً.
قلنا: فيه اولا انّه ليس فى اخبار القرعة عنوان المشكل، بل فى بعضها عنوان
المجهول كما فى حسنة محمد بن حكيم، وفى صحيحة ابي بصير: (ليس من قوم تقارعوا
ثمّ فوّضوا أمرهم الى الله إلاّ خرج سهم المحق)(1) فعنوان المشكل لم يؤخذ فى لسان
الدليل كما هو واضح لمن يراجع اخبار القرعة، فتعبير الفقهأ بان الموضوع فى أخبار
القرعة هو المشكل لا اصل له اصلا وان صدر عن جملة من الفقهاء.
وثانيا أن المورد فى جملة من أخبار القرعة وان كان ما ذكره الاّ أنه لا ينافى العموم
المصّرح به فى حسنة محمد بن حكيم حيث قال: كل مجهول فيه القرعة، و الاطلاق فى
صحيحة ابي بصير كما عرفت.
وثالثا ان الموراد الكثيرة وردت فيها القرعة ولا تكون من الامور المشكلة
المحيرة راجع الوسائل ج 18، ب 12 و 13، من أبواب كيفية الحكم تجد صدق ما ادّعيناه
ففى كل مورد من الشبهات الموضوعية، قامت فيه أمارة أو جرى أصل من الاصول من
الاستصحاب أو البرائة او الاحيتاط أو قاعدة اليد فهو، والاّ فيكون من المجهول الذى فيه
ــــــــــــــــــــــــــــ