الثالث ما عن الفقيه الهمدانى وتبعه جملة من محشّى العروة من التفصيل بين
الأرض المشتراة تبعا للدار والدكان مثلا، فلا خمس فيها، والأرض المشتراة بالإصالة،
ففيها الخمس وان كان عليها البنأ، كما إذا اشترى كلا من أرض الدار وبنائها على حياله
واستقلاله، فيتعلّق الخمس فى الأرض لا البناء.
واستدل للقول الأول بان الظاهر من صحيحة الحذّاء هو شراء الارض خالية من
البناء مطلقا، فتكون ظاهرة فى الأرض الزراعية.
ويشهد لذلك ما ورد فى باب الزكاة من أن فى الارض العشر او نصف العشر، فكما
233
ومصرفه مصرف غيره من الأقسام على الأصح (1)
انهما لا يكونان الاّ فى الأرض فكذالمقام ولا يحتمل ان المراد منها مطلق الارض ولو
كانت أرض الدار والبستان او الدكان.
وفيه أنه يؤيّد ما ذكرنا من ان المراد من الخمس هو خمس الحاصل و النتيجة،
لاخمس رقبة الارض، فكما أنّ العشر ونصف العشر لا يكون الا فى الحاصل والناتج
فكذالخمس.
ولكن لو تنزّلنا عن ذلك وقلنا بتعلّق الخمس برقبة الأرض فالملاك فى الوجوب
هو شراء الذّمى للأرض من مسلم بلا فرق بين أرض الزّراعة و الدّار والدكان والبستان و
بلا فرق بين الشراء الاستقلالى والتبعى، فعليه صحّ ما أفاده الماتن من التعميم.
وأمّا القول الثالث فهو مبنى على أن المأخوذ فى لسان الصحيحة هو شراء الأرض،
وهو لا يصدق الاّ على ما اذا كان الشراء استقلالا لا تبعاً فلو اشترى داراً أو دكانا أو بستاناً
لا يصدق عليه شراء الأرض، فلا تشمله صحيحة الحذاء فلا يجب الخمس، وأمّا اذا
اشترى أرض الدّار وبنائها بحيث كان كل منهما مقصوداً بالاصالة، وجب الخمس فى
أرضها وهذا القول إختاره جماعة من محشى العروة منهم الامام الخمينى(قدس سره).
وفيه أنّ صدق الشراء لا يتوقّف على الشراء الاستقلالى، بل يصدق على الشراء
التّبعى بلا اشكال، فان من اشترى داراً او دكاناً او بستاناً يصدق عليه أنه اشترى ارضها بلا
عناية، فلو كان المشترى ذمياً يجب عليه تخميس أراضيها و هذا واضح لاسترة عليه.
(1) هذا مبنى على أن وجوب الخمس على الذّمى لأجل شراء الأرض أمر تعبّدى،
وعن الشيخ الاعظم الانصارى(قدس سره) نفى الاشكال فيه، كما هو ظاهر الأصحاب; وأمّا على
ما قويناه من أن الخمس هنا عوض عن العشر الذى كان على بايع المسلم مع الضّريبة
الزائدة على الذّمى وهى العشر الآخر، فهو فى حكم الزكاة والجزية، فليس مصرفه مصرف
الخمس، بل يرجع الى بيت المال وولايته على الحاكم، فيصرفه فى مصالح المسلمين.
234
وفى وجوبه فى المنتقل اليه من المسلم بغير شراء من المعاوضات اشكال(1) فالأحوط
اشتراط مقدار الخمس عليه فى عقد المعاوضة(2) وان كان القول بوجوبه فى مطلق
المعاوضات لا يخلو عن قوة(3)
(1) عن الشيخ الأعظم فى كتاب الخمس أنه قال: (هل الحكم المذكور يختص
بالشراء، كما هو ظاهر المشهور، اويعمّ مطلق المعاوضة كما اختاره كاشف الغطأ أو مطلق
الانتقال ولو كان مجاناً، كما هو ظاهر الشّهيدين؟ فيه اشكال، من اختصاص النّص
والفتوى بالشراء، ومن عمومه عرفاً لسائر المعاوضات، ومن أنّ المناط هو الانتقال).
قلت: الظاهر ان العرف لا يرى خصوصية فى الشّراء، فلو انتقل الأرض من مسلم
إلى ذّمى بأىّ وجه كان يجب عليه الخمس ـ كما هو ظاهر الشهيدينَ والتعبير بالشراء فى
النص يحمل على الغالب، فان الانتقال اليه فى الغالب انما يكون بالشراء، والانتقال بالهبة
والصلح ونحوه يكون نادراً.
والمقام نظير بيع المصحف والعبد المسلم من الكافر، فانه اذا كان حراماً فمطلق
الانتقال اليه حرام.
(2) فبناء على ما ذكره المنصف، يقول المالك المسلم مخاطباً للذمّى: صالحتك
هذه الارض بالسيّارة الّتى تركبها بشرط أن تدفع خمسها الى الحاكم الاسلامى، فلو قال
الذمى: قبلت هذه المصالحة، وجب عليه ان يدفع خمسها اليه وكذا لو قال: وهبت لك
هذه الأرض بشرط أن تهب لى سيّارتك و تعطى خمس الأرض، للحاكم الاسلامى،
فيقول الذّمى: قبلت مع هذا الشرّط.
(3) لما عرفت من أنّ الملاك هو تملّك الذمّى لأرض المسلم وانتقالها اليه كما عن
الشهيدين; وهذا على ما قويّناه من تعلّق الخمس بالنّتاج والحاصل واضح; وأما على ما
اختاره المصنف من تعلّقه برقبة الأرض تعّبداً، فيتوقّف على أن الشراء المأخوذ فى
صحيحة الحذّاء لا موضوعية له بل طريق الى تملّك الذمّى للأرض بأىّ معاوضة كانت،
235
وإنمّا يتعلق الخمس برقبة الأرض دون البناء والأشجار والنخيل اذا كانت فيها(1) ويتخيّر
الذمّى بين دفع الخمس من عينها أو قيمتها(2)
فالمستفاد منها عموم المعاوضة، كما عن كاشف الغطاء(قدس سره).
قلت لو استفاد العرف من الصّحيحة أن الشراء لا موضوعية له بل ذكر لأجل أن
الانتقال فى الغالب انما يكون به، فلابد من الالتزام بأنّ مطلق الانتقال الى الذمّى يوجب
الخمس، لا خصوص المعاوضة لأنه لا يحتمل ان يكون اعطائه العوض للمسلم دخيلا فى
وجوب الخمس، بحيث لو وهبهاالمسلم له مجاناً لايجب عليه الخمس، فالأمر دائر بين
الإختصاص بالشراء، ومطلق الانتقال،
فما يظهر من الماتن تبعاً لكاشف الغطأ، لا يمكن المساعدة عليه، بل الاظهر هو ما
اختاره الشهيدان من أن المناط هو مطلق الانتقال.
وعلى الجملة الجمود على العنوان المأخوذ فى الصّحيحة يقتضى اختصاص
الحكم بالتخميس بالشراء، فلا يتعدّى الى مطلق المعاوضة، وان قلنا: إن الشراء لا
خصوصّية له عند العرف وذكره فيها للغلبة، فلابّد من الحكم بالتخميس لمطلق الانتقال.
(1) هذا واضح فانّ الدليل دلّ على أن خمس الأرض عليه وهى لاتشمل البناء
والاشجار.
(2) لما سيجئ انشاالله تعالى فى محلّه أنّ مالك المال لا يكون مُلزماً بدفع الخمس
من نفس العين بل له دفع القيمة.
وقد يقال: إن السيرة العملية فى خمس الفائدة قد جرت على تخيير المالك بين
دفع العين والقيمة وأمّا خمس الأرض فى المقام ، فلا دليل على كفاية دفع القيمة عنه،
فلابّد من دفع نفس العين.
وفيه أنه لايحتمل فى المقام تعيّن التخميس من نفس العين، بل السيرة القطعية
قائمة على كفاية دفع القيمة، لأنّ هذالخمس إمّا هو نفس الجزية أو شبيه بها، وعلى
236
ومع عدم دفع قيمتها، يتخيّر ولىّ الخمس بين أخذه وإجارته (1)
التّقديرين لا شكّ فى كفاية القيمة لو لم نقل بتعينّها.
(1) هذالتخيير الذّى ذكره لا يكون له واقع على مبناه فانّ مالك الخمس اذا
اختاره، ولم يجز له قلع الغرس والبناء فأىّ أثر لإختياره، فلابد من القول بأن مالك
الخمس يتعيّن عليه أخذ الأجرة لإبقاء البناء والغرس.
ثم إن سيدنا الاستاذ الخوئى(قدس سره) ناقش فى جواز الايجار بالإضافة الى النّصف
الّذى هو حقّ السّادة بأن المالك هو الكلى، فالمقدار الثابت من ولاية الحاكم الشرعى،
ولايته على القبض عنهم والصّرف عليهم، وأمّا الولاية على التصرف فيه بايجار ونحوه،
فيحتاج إلى دليل آخر يثبت له هذه الولاية زائداً على ولايته على القبض والصّرف،
وليس لنا ذلك. إذن فتصدّيه للايجار مشكل.
وفيه أولا أنّه سيجئ فى محلّه أن الخمس كلّه حق للامام(عليه السلام)والسّادة هى
المصرف له فيصرفه لهم ولغيرهم بما يراه من الصّلاح، فاذن يكون لنائبه أيضاً الولاية على
الجميع.
نعم فرق بين الامام المعصوم ونائبه العام وهو الفقيه الجامع للشّرائط فانه(عليه السلام) له
التحليل والعفو والاسقاط، متى ماشاء لجميع الخمس بلا فرق بين السّهمين المصطلحين
كما تدلّ على ذلك نصوص كثيرة كما سيجئ انشاء الله تعالى منها الصحيحتان
المتقدمتان(1) بل له الولاية على الأنفس والأموال مطلقاً، بخلاف نائبه العام فإن له الولاية
على الخمس، والتصرف فيه بما يراه صلاحاً من البيع والايجار والبذل و المصالحة
ونحوها، ولا فرق فى ذلك بين السّهمين أصلا;
والوجه فى ذلك أنّ الخمس بأجمعه ملك لمنصب الإمامة، والفقيه نائب له(عليه السلام)
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- ص 238.
237
وتمام الكلام يجئ فى محلّه انشاء الله.
وثانياً أنه(قدس سره) التزم بصحة الايجار فيما اذا كانت الارض مشغولة بالغرس والبناء
حيث أفتى بعدم جواز القلع للغرس والبناء وبوجوب اعطأ الاجرة على الذمّى،
فنقول: اذا كان تصدىّ الحاكم للايجار بالنسبة الى سهم السادة مشكلا، فلابد من
أخذ قيمة أرض الخمس لانفسها كى لا يحتاج الى الايجار الّذى ليس له ذلك، فان اخذ
خمس الأرض كما يمكن باخذ نفس الأرض المشغولة بالغرس والبنأ كذلك يمكن بأخذ
قيمتها.
ان قلت: المفروض ان الذمّى لا يدفع قيمة خمس الأرض بل يدفع نفس الارض
المشغولة بالغرس والبناء، فلامناص الاّ من أخذ الأرض المشغولة وايجارها له.
قلت: إن كان الذمّى باختياره، فلا يدفع الخمس أصلا لاعينا ولا قيمة لعدم اعتقاده
به، وان كان الأخذ بالإجبار، فليجبر على دفع القيمة، حتى لا يلزم محذور الايجار الّذى
ليس للحاكم أن يتصدّى له.
ثم إنّ المحقق العراقى(قدس سره) قال فى شرح تبصرة المتعلّمين: (ولو كانت الأرض
مشغوله بزرع او غرس، فلا يستحق أرباب الخمس من الغرس والزّرع شيئاً، حتى على
فرض التعلّق بالعين، فضلا عن المختار من التعلّق بالذمة، وحينئذ لا يستحق قلع الغرس
والزرع فى شيئ حتى على التعلّق بالعين، لأن الارض انتقلت اليه مشغولة بزرع الغير، فلا
يستحق الأجرة ايضاً من صاحب الزرع بل له حقّ البقأ الى أمده كما هو الشأن فى كل
مورد تنتقل الأرض الى الغير بوصف كونها مشغولة للغير عن حق.)
وفيه أن حدوث الزرع والغرس والبناء وان كان عن حق فى ملك المسلم قبل
البيع، وبعده إنتقل الى الذّمى، ولكن نفس الأرض انتقل خمسها الى الامام (بناء على تعلّق
الخمس بنفس الأرض) ومن الواضح أن بقاء الغرس والزرع فى ملكه(عليه السلام) لا يكون عن
238
حق، فانه يتوقّف على ان يكون مالك الغرس والرزع مالكا لمنفعة الخمس بقاءً، وهو
مقطوع العدم، فأنّ خمس الأرض بما له من المنفعة انتقل الى الامام(ع) على الفرض.
ثم إنّ سيدنا الحكيم(قدس سره) استدل لعدم جواز قلع الغرس والزّرع والبنأ بقاعدة لا
ضرر، قال(قدس سره): (وكأنه لدليل نفى الضرر، وليس فى ابقائه ضرر على المالك، وانما هو
خلاف سلطنته على ما له، لكن دليل نفى الضرر مقدم على دليل السلطنة لحكومته عليه
كغيره من أدلة الأحكام الأولية ولا سيما، بملاحظة مورد رواية سمرة(1) فان تكليفه
بالاستيذان، خلاف سلطنته على نفسه.
فان قلت: يمكن دفع الضرّر بالقلع بضمان القيمة، فيتخيّر مالك الأرض بين الابقاء
والقلع مع الضمان.
قلت: الضمان تدارك للضرّر، والمنفى مطلق الضرر، لا خصوص الضرّر
الغيرالمتدارك، فلاحظ;
نعم لو كان ابقاء الغرس يوجب ضرراً على المالك بنقص ارضه وفسادها، تعارض
تطبيق القاعدة فى الفردين، فيرجع إلى قاعدة السلطنة.
فان قلت: إستيفاء الأرض ضرر على المالك، فيعارض ضرر قلع الغرس. قلت:
المنافع كلها مبنية على الاستيفاء، فامّا أن يستوفيها المالك، وإمّا ان يستوفيها صاحب
الغرس، والاّ كانت معدومة، وليس أحد الاستيفائين ضرراً، فلا يقاس استيفاء المنفعة
بإتلاف العين، او سقوطها عن المالية كما فى قلع الشجر أو البنأ كما يظهر بالتأمّل، وحيث
يدور الأمر بين إستيفاء صاحب الغرس للمنفعة واستيفاء المالك وضياع المنفعة بلا
استيفاء، يتعين الأوّل، وذلك يوجب منع المالك عن التصرف وقصر سلطنته فيرجع
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الوسائل ج 17، ب 12 من ابواب احياء الموات، حديث 1،3،4، ص 240 و 241.
239
وليس له قلع الغرس والبناء بل عليه ابقائهما بالأجرة(1) وان اراد الذمّى دفع القيمة
وكانت مشغولة بالزرع أو الغرس أو البناء تقوّم مشغولة بها مع الأجرة، فيؤخذ منه
خمسها، ولانصاب فى هذالقسم من الخمس(2) ولا يعتبر فيه نية القربة(3) حين الأخذ
حتى من الحاكم، بل ولا حين الدّفع الى السادة;
الأمر الى التعارض بين قاعدة الضرر وقاعدة السّلطنة لاغير، وقد عرفت لزوم تقديم
الاولى) انتهى.
وفيه أولا أنّ المنفعة لها مالية، فتفويتها موجب للضمان كإتلاف المال و لأجل
ذلك نوجب أجرة المثل فيما اذا غصب داراً ومنع المالك من السكنى فيها وان لم يسكن
الغاصب فيها ايضاً فضمان الغاصب لأجرة المثل لا يكون الا لتفويت المنفعة على
المالك، فكما أن قلع الغرس ضرر على المشترى، كذلك إبقائه بلا اجرة ضرر على مالك
الخمس لأنه موجب لتفويت المنفعة.