وعشرين مورداً.
فالخطاب فى هذه الآيات متوجّه الى عموم المكلفين ومثلها آية الغنيمة فالخطاب
لعموم المكلفين لا خصوص المقاتلين، يناسب أن يكون غنمتم بمعنى نفعتم.
الثانى قوله تعالى: من شيىء فانه ظاهر فى عموم ما غنمتم للقليل والكثير، فلو
كانت الآية مختصّة بالغنيمة من الكفّار، لم يناسب التّعبير بالشىء الشامل لليسير جداً.
251
ولكنه خصّها بغنائم دار الحرب للاجماع الذى ادعاه على ذلك.
ولكن هنا إشكالا مشهوراً وهو أنه لو كان الخمس فى مطلق الأرباح والفوائد
بمقتضى الآية المباركة واجبا، فلماذا لم يكن اخذه وجبايته فى عصر الرسول
الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)وخلفائه، معروفا مثل الزكاة، ولماذا لم ينقل ذلك فى الاحاديث والتأريخ،
فلو كان ذلك ثابتاً لنقل الينا بطبيعة الحال وشاع وبان وظهر، ولم يوجد من هذا القسم من
الخمس عين ولا أثر فى صدر الاسلام الى زمان الصادقين(عليهما السلام)حيث ان الروايات
القليلة الواردة فى المقام كلها صدرت منذ هذا العصر.
وأجاب سيدنا الاستاذ(قدس سره) عن هذا الاشكال بجوابين:
الأول ان تبليغ الأحكام وبيانها كان تدريجيّاً، وتأخير التبليغ عن عصر التشريع
كان بإيداع بيانه من النبى(ص)الى الامام(ع) ليظهره فى ظرفه المناسب له حسب المصالح
الوقتية الباعثة على ذلك، فالأمر على هذا المبنى الحاسم لمادّة الاشكال ظاهر لاسترة
فيه.
وفيه أن تدريجيّة تبليغ الأحكام وان كان مسلّماً الا أن تبليغ هذا الحكم قد تحقّق
فى صدر الإسلام حين نزول آية الخمس فانّه(قدس سره) إعترف بأن (غنمتم بمعنى ربحتم
وأفدتم، فلا ينبغى التأمّل فى اطلاق الآية المباركة فى حدّ ذاتها وشمولها لعامّة الأرباح
والغنائم.
فعليه قد تحقّق تبليغ هذا الحكم فى عصره(ص) فلا يبقى مجال لإنكاره فيه فعليه
يستشكل لماذا لم يجمع خلفاء الجور خمس الارباحُ والفوائد استناداً الى هذه الآية فانهم
252
شمولها لمطلق ا لأرباح وإلاّ فلابّد من التماس جواب آخر.
الثانى قال(قدس سره): وأما مع الغضّ عن ذلك، فبإبداء الفرق بين الزّكاة والخمس، نظراً
الى أن الأوّل ملك للفقراء وحقّ يصرف فى مصالح المسلمين وقد أُمر(صلى الله عليه وآله وسلم) بالأخذ
قال الله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة الخ).
فمقدمة للأخذ الواجب عليه، لا محيص له من بعث العمال لجباية الزكوات.
وأمّا الخمس فهو حقّ له(ص) ولأقربائه، فيشبه الملك الشخصى، حيث لا تعود
فائدته لعامة المسلمين، ومن ثمّ لم يؤمر فى مورده إلاّ بالتّبليغ، كما فى سائر الأحكام من
الصّلاة والصّيام، دون الأخذ، فلم يكن ثمة باعث على جبايته بل قد لا يناسب ذلك شأنه
وجلالته كما لا يخفى.
وفيه أنه(صلى الله عليه وآله وسلم) قد أخذ خمس المغنم وغنيمة الحرب كما تدل عليه صحيحة
ربعى عن أبي عبدالله(عليه السلام)(2) وغيرها فكما أن اخذ خمس غنيمة الحرب لم يكن منافيًا
لشأنه وجلالته فكذلك خمس الارباح ولا يخفى ان الآيتين قبل آية الخمس وسياقها،
شاهدة على أن المراد من كلمة غنمتم هى غنيمة الحرب، حيث أنها وردت فى القتال،
والمورد وإن لم يكن مخصّصًا و موجباً للتّخصيص إلاّ أنّ الوجوه التى عرفتها قد تؤيّد هذا
المعنى الخاص.
ولكن الانصاف أن الآية المباركة ظاهرة فى العموم وفى عموم الإغتنام
والاستفادة ولا سيما بملاحظة قوله تعالى: من شئ واستدلال الامام(ع) بها لوجوب
الخمس فى غير الغنيمة الحربية كما سيجى، فعليه تبقى السئوالات بحالها.
253
بالاضافة الى الأرباح لِحِكَم ومصالح لا نعلمها ولعل منها كان فقرالمسلمين، أو كونهم
حديثو عهد بالاسلام واستيحاشهم من هذه الضريبة المالية على سبيل منع الخلو،
ومع عدم تصدّيه(ص) لذلك، لم يجترء المسلمون ان يسبقوه(ص) بذلك وامّا عدم اقدام
على(عليه السلام) فى زمان خلافته لذلك، فلعلّه كان لعين ما لاحظه النبى(صلى الله عليه وآله وسلم).
وأمّا عدم تصدّى الخلفأله، فلوجهين على سبيل منع الخلو: أحدهما أنه كان مخالفًا
لسيرة النبى(ص) وثانيهما انه كان موجباً لرفع شأن ذى القربى وهم يعاندونه ولا يعترفون
حقه وفضله، وهذا معاوية (لعنه الله) أمر أئمة الجور بسبّ على(عليه السلام) ولعنه (العياذ بالله)
على المنابر،
هذا كله ما يرجع الى الاستدلال بالكتاب لوجوب الخمس.
وأمّا السنّة فهى كثيرة وهى العمدة: منها صحيحة أبي على بن راشد قلت له: امرتنى
بالقيام بأمرك وأخذ حقك، فاعلمت مواليك بذلك، فقال لى بعضهم: وأىّ شيئ حقه،
فلم أدر ما أجيبه؟ فقال: يجب عليهم الخمس، فقلت ففى أىّ شيىء فقال: فى أمتعتهم
وصنايعهم (ضياعهم) قلت: والتاجر عليه والصّانع بيده؟ فقال: اذا أمكنهم بعد مؤونتهم.(3)
ومنها صحيحة على بن مهزيار عن ابراهيم بن محمد الهمدانى (قال: كتب اليه
ابراهيم بن محمد الهمدانى أقرأنى على كتاب أبيك فيما أوجبه على اصحاب الضّياع أنه
اوجب عليهم نصف السدس بعد المؤونة وأنه ليس على من لم يقم ضيعته بمؤونته
نصف السدس ولا غير ذلك، فاختلف من قبلنا فى ذلك فقالوا: يجب على الضّياع
الخمس بعد المؤونة مؤونة الضّيعة وخراجها، لا مؤونة الرّجل وعياله، فكتب وقرأه
على بن مهزيار: عليه الخمس بعد مؤونته ومؤونة عياله وخراج السّلطان(2)
254
ومنها صحيحة أخرى عن على بن مهزيار(4) وهى طويلة.
ومنها موثقة سماعة قال: سألت أبالحسن(عليه السلام) عن الخمس؟ فقال: فى كل ما أفاد
الناس من قليل أو كثير.(2)
ومنها صحيحة أحمد بن محمد بن عيسى عن (بن) يزيد قال: كتبت: جعلت الفداء
تعلّمنى ما الفائدة وما حدّها؟ رأيك أبقاك الله أن تمن علىّ ببيان ذلك لكى لا اكون مقيماً
على حرام لاصلاة لى ولا صوم، فكتب: الفائدة مما يفيد إليك فى تجارة من ربحها،
وحرث بعد الغرام أو جائزة.(3)
ومنها معتبرة أبي بصير عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: كتبت إليه فى الرّجل يهدى اليه
مولاه والمنقطع اليه هدية تبلغ ألفى درهم أو أقل او اكثر هل عليه فيها الخمس؟
فكتب(عليه السلام): الخمس فى ذلك، وعن الرّجل يكون فى داره البستان فيه الفاكهة يأكله
العيال انما يبيع منه الشىء بمأة درهم أو خمسين درهماً هل عليه الخمس؟ فكتب أماما
اكل فلا، واما البيع فنعم هو كسائر الضياع.(4)
ومنها صحيحة ابن ابي نصر قال: كتبت الى ابى جعفر(عليهما السلام): الخمس أخرجه قبل
المؤونة أو بعد المؤنة؟ فكتب بعد المؤونة.(5)
ومنها صحيحة ابراهيم بن محمّد الهمدانى أنّ فى توقيعات الرّضا(عليه السلام)إليه أن
الخمس بعد المؤونة.(6)
وهاتان الصحيحتان وان لم يصرّح فيهما بالفائدة والأرباح، ولكن الظاهر ان
المؤونة هى من الأرباح والفوائد فتد لاّن على ثبوت الخمس فيها بعدها.
255
وفى قبالها طائفة من الرّوايات تدل على تحليل الخمس للشيعة منها صحيحة
الفضلأ عن أبي جعفر(عليهما السلام) قال: أميرالمؤمنين على بن أبي طالب(عليه السلام): هلك الناس فى
بطونهم وفروجهم، لانهم لم يؤدّوا الينا حقّنا، ألاوإنّ شيعتنا من ذلك وآبائهم فى حل.(6)
ومنها صحيحة على بن مهزيار عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: قرأت فى كتاب لأبي جعفر
(عليه السلام)من رجل يسأله أن يجعله فى حلّ من مأكله ومشربه من الخمس فكتب بخطه: من
أعوزه شيئ من حقّى فهو فى حل.(2)
وهذه الصحيحة تدلّ على التحليل فى فرض الإعواز لامطلقا.
ومنها صحيحة زرارة عن أبي جعفر(عليهما السلام) انه قال: إن أميرالمؤمنين(عليه السلام)حلّلهم من
الخمس يعتى الشيعة ليطيب مولدهم.(3)
ومنها صحيحة ضريس الكناسى قال: قال ابوعبدالله(عليه السلام): أتدرى من أين دخل
على النّاس الزّناء؟ فقلت: لا أدرى; فقال: من قبل خمسنا أهل البيت الاّ لشيعتنا الأطيبين
فانّه محلّل لهم ولميلادهم.(4)
ومنها صحيحة أبي خديجة عن أبي عبدالله(عليه السلام) وتقدمت(7)
ومنها ما رواه الصّدوق بسنده الصّحيح عن يونس بن يعقوب وتقدمت.(6)
256
أخرج الله منها من شئ فهو لنا، قال: قلت له: أنا احمل اليك المال كلّه، فقال لى يا أباسيّار
قد طيبناه لك وحللناك منه، فضم اليك مالك، وكل ما كان فى أيدى شيعتنا من الأرض
فهم فيه محلّلون ومحلّل لهم ذلك الى ان يقوم قائمنا فيجيبهم طسق ما كان فى ايدى
سواهم، فان كسبهم من الارض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا، فيأخذ الارض من ايديهم
ويخرجهم منها صغرة.(8)
ومنها معتبرة الحارث بن المغيرة النصرى قال: دخلت على ابى جعفر(عليهما السلام)
فجلست عنده، فاذا بخية قد استأذن، عليه فأذن له (الى ان قال): يا بخية ان لنا الخمس فى
كتاب الله ولنا الانفال ولنا صفوالمال (الى ان قال): أللّهم إنا قد أحللنا ذلك لشيعتنا
(الحديث)(2)
ولايخفى أن جعفر بن محمد بن حكيم الواقع فى سندها لم يوثق ولكنه وقع فى
اسناد كامل الزيارات فان قلنا: بكفايته فى التوثيق تكون الرّواية معتبرة.
ومنها ما رواه محمد بن يعقوب الكلينى عن اسحاق بن يعقوب فيما ورد عليه من
التوقيعات بخطّ صاحب الزّمان (عجّل الله فرجه الشّريف) وهو طويل وننقل جملتين منه
(وامّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى روّات حديثنا فأنّهم حجتى عليكم وأنا حجّة الله
عليهم (الى ان قال): وأمّا الخمس فقد أبيح لشيعتنا وجعلوا منه فى حلّ الى وقت ظهور
أمرنا لتطيب ولادتهم ولا تخبث(9)
257
عن إبنى أبي عقيل وجنيد.
وقد يجاب عن هذه الرّوايات بأنها منافية لحكمة جعل الخمس فانّه وجب ليكون
عوضاً عن الزّكاة للسادة فإن الزكاة عليهم حرام، فلو كان الخمس حلالا لكل الشيعة،
لوقع فقراء السّادة فى ضيق وشدّة الى يوم القيامة.
وفيه أولا أن السّادة بالإضافة إلى غيرهم قليلة وفقرائهم أقل ويحلّ زكاتهم
لفقرائهم، فلو لاحظنا النسبة بين زكاة العوام وفقرائهم وزكاة السادة وفقرائهم لا تكون
فقراء السادة أقلّ نصيباً من فقراء العوام بالنسبة الى نفوسهم فلو حلّل الخمس للجميع
لايلزم وقوع فقراء السادة فى شدة وضيق، بل حالهم حال فقراء العوام.
وثانيا لا تناسب بين البدل والمبدل أصلا فانّ الخمس هو خمس ثروة العالم:
لاحظ المعادن كآبار النفط والغاز ومعدن الذهب والفضة والحديد والنحاس والصفر
وأرباح التجارات والمصانع العظيمة ووالخ فكيف يكون نصفه وهو عُشر ثروة العالم
بدلا عن الزكاة التى هى بتمامها تقل من عُشر عشر الخمس فلو كانت تحل للسّادة كان
سهم فقرائهم منها أقل قليل من نسبة الواحد الى مأة الف بالنسبة للخمس، فكيف يكون
مأة الف بدلا عن الواحد، فتأمّل جيّداً فانّ البدلية لاتستقيم بوجه.
والجواب الصّحيح هو أن الرّوايات الكثيرة دلّت على عدم التّحليل فهى تعارض
روايات التحليل، فلابدمن الجمع بينهما.
منها صحيحة على بن ابراهيم عن أبيه (قال: كنت عند أبى جعفر الثانى(عليه السلام)اذ
دخل عليه صالح بن محمدبن سهل وكان يتولّى له الوقف بقم; فقال: ياسيّدى اجلعنى من
عشرة آلاف درهم فى حلّ، فانى قد انفقتها، فقال له: أنت فى حلّ، فلمّا خرج صالح، فقال
أبوجعفر(عليه السلام): احدهم يثبّ على اموال (حق) آل محمد و ايتامهم ومساكينهم وابناء
سبيلهم فيأخذه ثم يجئ فيقول: اجعلنى فى حلّ اتراه ظنّ أني أقول: لا أفعل، والله ليسألنهم
258
الله يوم القيامة عن ذلك سئوالا حثيثاً(10).
ومنها معتبرة أبي بصير عن أبي جعفر(عليه السلام)(قال: سمعته يقول; من إشترى شيئا من
الخمس لم يعذره الله، اشترى ما لا يحل له).(11)
ومنها ما رواه محمد بن زيد الطبرى (قال: كتب رجل من تجار فارس من بعض
موالى أبي الحسن الرّضا(عليه السلام) يسأله الإذن فى الخمس، فكتب اليه: بسم الله الرّحمن
الرحيم، ان الله واسع كريم، ضمن على العمل الثواب وعلى الضّيق الهم، لا يحل مال الاّ من
وجه أحلّه الله، إنّ الخمس عوننا على ديننا وعلى عيالنا وعلى موالينا (اموالنا) وما نبذله
ونشترى من اعراضنا ممن نخاف سطوته فلا تزوّوه عنا، ولا تحرموا انفسكم دعانا ما
قدرتم عليه، فان اخراجه مفتاح رزقكم وتمحيص ذنوبكم وما تمهدون لانفسكم ليوم
فاقتكم، والمسلم من يفىلله بما عهد اليه، وليس المسلم من أجاب باللّسان وخالف
بالقلب والسلام)(12)
ومنها ما رواه محمد بن زيد (قال: قدم قوم من خراسان على أبي الحسن
الرّضا(عليه السلام) فسألوه ان يجعلهم فى حلّ من الخمس، فقال: ما امحل هذا تمحضونا المودّة
بألسنتكم وتزوون عنّا حقّاً جعله الله لنا وجعلنا له وهو الخمس لا نجعل لا نجعل لا نجعل
لأحد منكم فى حلّ).(4)