ومنها غيرها من الروّايات الدّالّة على ذلك.(13)
259
وهذه الطائفة من الرّوايات وان كان بعضها غير نقى السند الاّ أن بعضها الأخر معتبر
فالمجموع يصلح أن يعارض الأخبار الدالة على التحليل.
والمشهور بين الأصحاب الجمع بين الطائفتين بحمل اخبار التحليل على ما وصل
الى الشيعة من الكافر او المخالف وكان متعلقا للخمس قبله وحمل مادلّ على عدم
التّحليل على ما تعلق به الخمس فى يد الشيعى من الأرباح وغيرها واستشهدوا عليه
بطائفة أخرى من الرّوايات، منها صحيحة ابي خديجة عن ابي عبدالله(عليه السلام)(14)
ومنها صحيحة يونس بن يعقوب بطريق الصّدوق (2) وتقدمتا(15)
فانهما ظاهرتان فى أنّ مايصل بيد الشيعى وانتقل اليه وكان متعلّقاً للخمس حلّ له
ولا حاجة الى اخراج خمسه وهذا هو المراد من أخبار التحليل.
وأما مادل على عدم التحليل فالمراد منه ما كان بيد الشيعى وتعلّق به الخمس
كالأرباح مثلا بعد مؤونة السنة، هذا;
ولكنّ المستفاد من عدّة من النصوص ان التحليل عام للربح الذى تعلّق به الخمس
فى يد الشيعى ايضاً:
260
بما أبيحوا.(16)
ومنها ما رواه حكيم مؤذن بنى عيس (ابن عيسى) عن ابي عبدالله(عليه السلام) قال: قلت
له: (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول) قال: هى والله الا فادة يوماً بيوم
الاّ أنّ أبى جعل شيعتنا من ذلك فى حلّ ليزكوا.(17)
ومنها ما رواه معاذ بن كثير بيّاع الا كيسة، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: موسّع على
شيعتنا أن ينفقوا مما فى أيديهم بالمعروف فاذا قام قائمنا حرم على كل ذى كنز كنزه حتى
يأتوه به و يستعين به.(3)
ومنها معتبرة مسمع بن عبدالملك (فى حديث) قال: قلت لابي عبدالله(عليه السلام): إني
كنت ولّيت الغوص، فأصبت أربعمأة ألف درهم وقد جئت بخمسها ثمانين ألف درهم،
وكرهت أن أحبسها عنك، واعرض لها وهى حقّك الذى جعل الله تعالى لك فى أموالنا،
فقال: ومالنا من الأرض وما أخرج الله منها الاّ الخمس، يا أباسيّار الأرض كلّها لنا، فما
أخرج الله منها من شيئ فهو لنا، قال: قلت: له: أنا أحمل اليك المال كلّه، فقال لى: يا
أباسيار قد طيّبناه لك وحللناك منه فضّم اليك مالك، وكلّ ما كان فى ايدى شيعتنا من
الأرض فهم فيه محلّلون، ومحلّل لهم ذلك، الى أن يقوم قائمنا فيجيبهم طسق ما كان فى
أيدى سواهم، فان كسبهم من الأرض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا فيأخذ الارض من
أيديهم ويخرجهم منها صغرة.(18)
261
كانت معتبرة الاّ أنها دلّت على حلّية خمس الأرباح لخصوص مسمع ولا تدل على حلّيته
لكل الشيعة، واما حلّية ما فى أيديهم من الأرض فلا ينافى وجوب الخمس على ما فى
ايديهم من الأرباح.
ولكن التّعليل بطيب الولادة المذكور فى عّدة من روايات التحليل يعمّم فان
المستفاد من تلك الروايات أن للائمة(عليهم السلام) علاقة بطيب ولادة الشيعة فلو لم يعط
الشيعى خمس الارباح لا يكون ذلك موجباً لخبث الولادة ولا يرضون بذلك أصلا،
على أن صحيحة يونس تعمّ الأرباح الّتى كانت بيد الشيعى وتعلق بها الخمس فلا
تخصّ بما كان متعلّقا للخمس قبل الوصول بيده.
ويشهد لذلك قوله: أنّا عن ذلك مقصّرون، فان المالك اذا لم يؤدّ خمس مازاد عن
المؤونة من الأرباح يكون مقصّراً.
ثم إنّ السّيد الحكيم(قدس سره) إستشكل على نصوص التحليل حيث قال: (نعم يشكل
الإستدال بالنصوص المذكورة وغيرها بان الشبهة فى المقام موضوعية وهى صدور الاذن
من الامام(ع) وعدمه، فلا ترفع اليد عن أصالة عدم صدور الإذن الاّ بحجة من علم او بيّنة،
وخبر الثقة غير ثابت الحجّيّة فى الموضوعات).
وفيه أولا ان خبر الثقة حجة فى الموضوعات لاستقرار السيرة من المتشرعة على
ذلك.
وثانياً أنّ تحليل الخمس الى يوم القيامة، حكم كلّى وليس اذناً من شخص خاص
فى ملكه الشخصى، حتى تكون الشبهة موضوعيّة.
وثالثا أنّا نقطع اجمالا بصدور بعضها من المعصوم فلا شكّ فى التّحليل وحصول
الإذن فى الجلمة، فلا يبقى المجال لدعوى عدم حجّية خبر الثقة فى الموضوعات.
262
بملاحظة التّعليل بطيب الولادة المذكور فى بعضها، ولكنه مع ذلك كله لا مجال للالتزام
بمضمونها مطلقاً، وذلك لقيام السّيرة القطعية العملية من ا لمتشرعة من زمن الائمة(عليهم السلام)
الى زماننا هذا على تسليم الخمس اليهم والى وكلائهم(عليهم السلام) فان كثيراً من العلماء والأمنأ
والثّقاة كانوا وكلأ عن الائمة وعن المجتهدين الى زماننا، هذا، فلو كان الخمس محلّلا
للشيعة مطلقا فلما ذا وكلّوا الأمناء والعلماء والثّقات لجبايته ودفعه اليهم(عليهم السلام) فى زمان
الحضور والى نوّاب ولىّ العصر(عليه السلام) فى زمن الغيبة;
فعليه لابدّ من أن يجاب عن أخبار التحليل بأحد الوجوه على سبيل منع الخلو:
أحدها ما عرفت من المشهور من حملها على الأموال الّتى كانت متعلقة للخمس وانتقلت
الى الشيعى بشهادة صحيحتى أبي خديجة ويونوس على ذلك، وخصّوا ذلك بما اذا كان
المنتقل عنه لايعتقد بوجوب الخمس كالكافر والمخالف، فلا يجرى فيما اذا كان المنتقل
عنه شيعياً فاسقاً.
وردّه سيدنا الاستاذ الخوئى(قدس سره) حيث قال: (ولكنا لا نعرف وجهاً لهذا التقيد بعد
ان كانت الروايتان المتقدمتان صحيحتا يونس وسالم بن مكرم مطلقتين من هذه الجهة،
فانّ المذكور فيهما وقوع الأموال فى الأيدى، أو الشراء أو إصابة الارث او نحوه ويجمعها
انتقال ما فيه الخمس من الغير، سواء كان ذلك الغير الممتنع من دفع الخمس معتقداً فاسقاً
او مخالفاً منكراً.)
واستشكل عليه بعض تلامذته بامكان المنع عن الاطلاق المذكور أمّا فى معتبرة
ابي خديجة فباعتبار ان السائل لم يذكر فيها جهة الحرمة التى افترضها فى الفروج، وانما
اشار اليها اشارة، وكانّها حيثية معهودة ومفهومة بين السائل والامام(ع)، فلعّل الذى كان
معهوداً هو الحرمة الناشئة من ناحية خمس غنائم الحرب والسبايا الامر المصرّح به فى
جملة من روايات التحليل.
263
وهذا لاشكال غير وارد اصلا، فان المعهودية بين السائل والامام(ع) منتفية قطعأ،
وذلك لقول الرّواى: ففزع أبو عبدالله(عليه السلام) فلو كان السئوال عن الأمر المعهود، لم يفزع(ع)
جزماً فهو قرينة على عدم المعهودية. هذا اولا.
وثانياً لو تنزّلنا وقلنا إنّ السئوال كان عن الامر المعهود وهو الجوارى والسبايا
والغنائم، فنقول: إن هذه الأمور لم تكن بيد المخالفين دائماً، بل كانت تصل بيد الشيعى
كثيراً بحسب العادة إما بالشراء أوالجائزة أو الهبة ونحو ذلك فاذا اشتراها شيعى آخر من
الشيعى،تشملها الصّحيحة اذا كان المنتقل عنه فاسقاً لايبالى الحلال من الحرام;
ولكن هذا الجواب مبنىّ على أن لا تشمل أخبار التحليل الشيعى الفاسق اذا كان
منتقلا إليه، والاّ كانت الاموال المنتقلة اليه من الكفار والمخالفين محلّلة له فكان الحلال
الذى بيد الشيعى منتقلا الى شيعى آخر فالانتقال الثانى خارج عن مورد اخبار التحليل.
والحاصل مقتضى اطلاق الصحيحتين عدم الفرق بين ان يكون المنتقل عنه
لايعتقد وجوب الخمس كالكافر والمخالف أو يعتقده ويكون عاصياً فاسقاً كالشيعى
الذى لايبالى من الحرام، فاذا انتقل متعلّق الخمس منه الى شيعى آخر حلّ للمنتقل اليه
ويكون ضمانه على المنتقل عنه ان كان الانتقال بمثل الهبة أو بجلعه مهراً للزوجة، وان
كان بالمعاوضة فيتعلّق الخمس بالعوض.
وهنا كلام لم يتعرّض له الفقهاء وهو أنه هل يكفى فى المنتقل اليه ان يكون شيعياً
وان كان فاسقاً أو يعتبر أن يكون متّقياً متشرعاً فلا تحليل للشيعى الفاسق؟ مقتضى
الاطلاق فى صحيحة أبي خديجة هو الأول حيث قال(ع): هذا لشيعتنا حلال الشاهد منهم
والغائب والميت منهم والحى وما يولد منهم الى يوم القيامة.(19)
264
ومقتضى الارتكاز ومورد السئوال والقدر المتيقن هو الثانى وكذا مقتضى قوله(ع)
فى صحيحة يونس: (ما أنصفناكم ان كلّفناكم ذلك اليوم)(20) هو ذلك فان الشيعى المتّقى
المتشرع ان كلّف بالتخميس مضافا الى اعطاء العوض يكون منافياً للانصاف.
وأمّا الشيعى الفاسق الذى لايبالى من اكل الحرام، ان كلّف بالتخميس لايكون
على خلاف الانصاف.
وبعبارة اخرى هذا الكلام منه(عليه السلام) نحو عناية وعطوفة وشفقة بالنسبة للشيعى
وهو يناسب من كان متّقياً ومتشرّعاً ومطيعاً وأمّا الفاسق المتمرّد فليس اهلا لذلك،
فالأحوط اختصاص التّحليل بذلك.
ثانيها حمل أخبار التحليل على حلّية السّبايا والجوارى والفروج كصحيحة
الفضلأ وصحيحة زرارة المعلّلة بطيب المولد، وصحيحة ضريس.
ثالثها حمل الأخبار الدالّة على التحليل المطلق (كمعتبرة الحارث بن المغيرة
النصرى وامثالها) على الاختصاص بزمن الصادقين(عليهما السلام)وهو لا ينافى ايجابه فى زمن
الرضا والجواد(عليهما السلام)
رابعها الحمل على المورد الخاص كصحيحة فضيل أو شخص خاص كصحيحة
مسمع.
وعلى الجملة تحمل أخبار التحليل على المحامل الأربعة على سبيل منع الخلو،
واماما لا يقبل الحمل عليها كرواية معاذ بن كثير بياع الاكيسة فتطرح لضعف السند.
265
السئوال عن خمس الجوارى والسبايا.
فاذن لا دليل على التحليل حتى فى زمن الائمة المتأخرة بل عرفت قيام السّيرة
القطعية على عدم التحليل.
ثم إنّ صاحب الحدائق خصّ التحليل بسهم الامام(عليه السلام) لانه حقهم(عليهم السلام)وأمّا حق
السّادة فليس حقّهم كى يشمله التحليل.
وقد يؤيّد ذلك بما ورد فى صحيحة على بن مهزيار حيث قال(عليه السلام): من أعوزه
شىء من حقّى فهو فى حلّ(21) قال الاستاذ: المراد هو سهم الامام(ع).
وفيه أنّه ضعيف جداً، فانّ الخمس كلّه حق للامام(عليه السلام) فإنّ اليتامى والمساكين
وإبن السّبيل من بنى هاشم من مصارفه، وذلك لوجوه:
الأول صحيحة على بن مهزيار المفسرة لحق الامام(ع) قال: قال لى على بن
راشد: قلت له: أمر تنى بالقيام بأمرك وأخذ حقك، فاعلمت مواليك بذلك، فقال لى
بعضهم: واىّ شيىء حقه، فلم ادر ما أجيبه؟ فقال: يجب عليهم الخمس فقلت: ففى اىّ
شيىء؟ فقال: فى أمتعتهم وصنايعهم (ضياعهم) قلت والتاجر عليه والصانع بيده؟ فقال:
اذا امكنهم بعد مؤونتهم(22).
فانها (كما ترى) فسّرت الحق بالخمس فالخمس كلّه حق للامام(ع)
الثانى صحيحة أخرى عن على بن مهزيار عن ابي جعفر(عليه السلام) الى أن قال(ع): ولم
اوجب عليهم ذلك فى كل عام (الى ان قال): تخفيفاً منى عن موالى ومنّاً منّى عليهم(23))
266
فأنّ ايجاب الخمس بيده وتخفيفه، كذلك، وهو ظاهر فى ان الخمس كله حق الامام(عليه السلام)،
والاّ كان يخفّف نصفه لا جميعه.
الثالث نصوص التحليل فانه يتعلّق بجميع الخمس لا نصفه، فمنه يعرف ان الخمس
كله حق للإمام بما هو امام، الا ترى صحيح مسمع فان التحليل تعلّق بجميع السهمين فلو
لم يكن الخمس كلّه حقاً له(ع) كيف حلّل كلّه.
وقد ظهر مما ذكرناه فى الجواب عن اخبار التحليل ضعف بقية الأقوال التى لم
نتعرض لها ولعلها تبلغ الى تسعة اقوال، ولا حاجة الى التعرّض لها.
ثم إنّ سيّدنا الاستاذ الخوئى(قدس سره) فرّع على ما اختاره من التحليل فى الخمس عدم
حلّية الميراث لمن انتقل اليه اذا لم يكن متعلقا للخمس بل كان الخمس فى ذمة المّيت;
قال(قدس سره): (وأمّا اذا انتقل مال لم يكن بنفسه متعلقا للخمس بل الخمس ثابت فى ذمة من
انتقل عنه لا فى عين ماله، فالظاهر خروجه عن نصوص التحليل، وهذا كما لو وجب
الخمس على المكلّف فأتلفه ولو بمثل الهبة فانتقل الخمس الى ذمّته ثم مات وانتقلت
أمواله الى الوارث الشيعى، فان مثل هذا النقل المستند الى الإرث غير مشمول لدليل
التحليل اذ لا يصدق عليه أنّ فيه حقّهم، وقد ذكرنا فى محلّه ان حق الديّان غير متعلّق
بالاعيان بل تنتقل التركة الى الورثة لكن فيما زاد على مقدار الدّين لتأخّر مرتبة الإرث
عنه على مانطقت به الآية المباركة: (من بعد وصية يوصى بها او دين) أمّا مقدار الدّين فهو
باق على ملك الميت، يصرف فى تفريغ ذمته عنه ولم ينتقل الى الورثة لكى يتوهم
اندراجه فى نصوص التحليل، وعلى الجملة حال الخمس من هذه الجهة حال الزّكاة
وغيرها من سائر الديون المحكومة بلزوم اخراجها من التركة أوّلا ثم التقسيم بين الورثة،
فمقدار الخمس لم ينتقل الى الوارث بتاتا بل هو دين باق على ملك الميت، ومورد
روايات التحليل هو المال الخارجى الذى فيه حقهم.)
267
من ارباح التجارات ومن سائر التكسبات من الصناعات والزراعات والاجارات(1) حتى