والانصاف أن هذالاشكال، وارد على المستحق لانه خارج عن شؤوناته الّلائقة
بحاله.
وأمّاالفقيه الجامع للشرائط، فله الإرجاع فى بعض الموارد لأحد وجهين على
سبيل منع الخلو: أحدهما أن الإرجاع فى المورد الذى ذكر فى المتن، يكون من شؤونه،
فلا مانع منه.
ثانيهما أن ولى الفقيه قد يرى المصلحة فى الارجاع والمصالحة كما اذا كان
المالك مشغول الذمة بالنسبة الى ما صرفه من الأموال فى الماضى، وكان عنده فعلا كثير
من الأرباح ولا يخمسها إلا اذا صالح الفقيه معه بالنسبة الى الماضى، فالمصالحة معه،
توجب جلب وجوهات اكثر لولى الفقيه.
(1) كما هو المشهور بين الأصحاب، و قد تقدم البحث عن ذلك مفصلا وقلنا: إن
النصوص الواردة فى المقام على ثلاث طوائف : إحديها دلّت على التّحليل مطلقاً،
والأخرى دلّت على عدم التحليل مطلقاً، والثالثة دلّت على التحليل فيما اذا انتقل متعلق
الخمس الى الشيعى من الغير بأىّ نحو كان.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- فى مسألة 6، من هذالفصل، ص 419.
433
كالكافر ونحوه لم يجب عليه اخراجه، فانّهم ـ عليهم السلام ـ اباحوا لشيعتهم ذلك سواء
كان من ربح تجارة أو غيرها وسواء كان من المناكح والمساكن والمتاجر او غيرها.
فنذكرهنا بعض هذه الطوائف:
فمن الطائفة الأولى صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر(عليهما السلام) قال: قال أميرالمؤمنين
على بن ابي طالب(عليه السلام) : هلك الناس فى بطونهم و فروجهم لأنّهم لم يودّوا الينا حقّنا، ألا
وإن شيعتنا من ذلك وابنائهم فى حلّ(1) على ما فى الفقيه، وفى التّهذيب (آبائهم) بدل
ابنائهم.
ومن الطائفة الثانية معتبرة أبي بصير عن أبي جعفر(عليهما السلام) قال: سمعته يقول: من
إشترى شيئاً من الخمس، لم يعذره الله، اشترى ما لا يحلّ له.(2)
ومنها صحيحة عمرابن موسى عن موسى بن جعفر(عليهما السلام) قال: قرأت عليه آية
الخمس، فقال: ما كان لله فهو لرسوله وما كان لرسوله فهو لنا، ثم قال: والله لقد يسرّالله على
المؤمنين ارزاقهم بخمسة دراهيم، جعلوا لربّهم واحداً واكلوا اربعة أحلاّء(3)
ومن الطائفة الثالثة صحيحتان إحديهما صحيحة يونس بن يعقوب (بطريق
الصدوق) قال: كنت عند ابي عبدالله(عليه السلام) ، فدخل عليه رجل من القماطين، فقال: جعلت
فداك، تقع فى ايدينا الأموال والأرباح وتجارات، نعلم أن حقك فيها ثابت، وإنا عن ذلك
مقصّرون، فقال ابو عبدالله(عليه السلام) : ما أنصفناكم ان كلّفناكم ذلك اليوم.(3)
ثانيتها صحيحة أبي خديجة عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: قال رجل وأنا حاضر: حلّل
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الوسائل ج 6، ب 4 من ابواب الانفال، حديث 1، ص 379.
2- (3) الوسائل ج 6، ب 1 من ابواب ما يجب فيه الخمس، حديث 5 و 6، ص 338.
3- الوسائل ج 6، ب 4 من ابواب الانفال، حديث 6، ص 380.
434
لى الفروج، ففزع أبو عبدالله(عليه السلام)، فقال له رجل : ليس يسألك أن يعترض الطّريق،
انّمايسألك خادماً يشتريها او امرأة يتزوّجها، او ميراثاً يصيبه او تجارةً او شيئاً أعطيه؟
فقال:هذا لشيعتنا حلال الشاهد منهم والغائب، والميت منهم والحىّ وما يولد منهم الى يوم
القيامة، فهو لهم حلال، أما والله، لا يحلّ الاّ لمن أحللنا له(1)
فهذه الطّائفة شاهدة على أن ماانتقل الى الشيعى عن غيره سواء كان المنتقل عنه
كافراً أو مخالفا أو شيعياً يحلّ للمنتقل اليه بأىّ نحو كان.
وأما الطائفة الثانية، فهى تحمل على الارباح والفوائد التى زادت عن المؤونة،
فيجب تخميسها للروايات الكثيرة الموجبة للوثوق والاطمينان.
واما الطائفة الأولى، فما صدر منها من على(عليه السلام)، لابد من ان تحمل على
زمانه(عليه السلام) فانها باطلاقها وان تشمل عصر الكاظم والرضا والجواد(عليهم السلام) الاّ أن النصوص
الصادرة منهم صريحة فى وجوب الخمس، فنرفع اليد عن الاطلاق لهذه النصوص.
وأما ما صدر عن الصادقين(عليهما السلام)، فلابدّ أن يحمل على ما انتقل الى الشيعى من
الغير كان معتقداً للخمس او غير معتقد له، فذهاب المشهور الى الاختصاص بما اذا انتقل
متعلق الخمس الى الشيعى عمّن لا يعتقد بوجوب الخمس كالكافر والمخالف ممّا لا وجه
له، فان الاخبار الدالة على التحليل مطلقة، كما ان صحيحتى يونس وابي خديجة (كما
ترى) لا تقييد فيهما بمن لا يعتقده. وكذا لا وجه لما ذهب اليه بعض الأصحاب من
اختصاص التحليل بالمناكح والمتاجر والمساكن، فانه بلا دليل، حيث ان الاخبار الدالة
على التحليل مطلقة.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الوسائل ج 6، ب 4 من ابواب الانفال، حديث 4، ص 379.
435
وعلى الجملة الروايات الكثيرة الدّالة على وجوب الخمس لاسيما ما صدر من
الامام السابع و من بعده منهم(عليهم السلام) لا يمكن رفع اليد عنها بوجه فلابد من حمل مادل
على التحليل، على صنف خاص أو زمن خاص.
(تمّ كتاب الخمس)
437
الانفال
438
الانفالالمراد من الانفال
(تذييل فى الانفال)
وهى جمع نفْل أو نَفَل بمعنى الزيادة، على أقسام:
1 ـ منها كل أرض كانت مملوكة للكفار، وفتحت بغير قتال وهراقة دم.
2 ـ ومنها كل أرض موات وبطون الأودية ورؤوس الجبال والآجام.
3 ـ ومنها كل ما يصطفيه الامام(ع) من الغنيمة.
4 ـ ومنها صفاياء الملوك وقطائعهم غير المغصوبة.
5 ـ ومنها ميراث من لا وارث له.
6ـ ومنها ما اغتنمه المقاتلون من الكفار بغير اذن الامام(عليه السلام).
7 ـ ومنها كل ارض خربة باد أهلها.
8 ـ ومنها المعادن.
9 ـ ومنها سيف البحار.
فلنتعرض للأدلة التى تدل على انها من الانفال وهى للامام(عليه السلام).
(منها) الكتاب العزيز (وما افاء الله على رسوله منهم فما اوجفتم عليه من خيل ولا
ركاب، ولكن الله يسلّط رسله على من يشاء والله على كل شئ قدير)(1)
وقوله تعالى: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى، فلله وللرسول ولذى القربى
واليتاما والمساكين وبن السبيل، كى لا يكون دولة بين الاغنياء منكم)(2)
وقد اختلفت كلمات الاصحاب فى مدلول الآية الثانية:
فعن المحقق الاردبيلى فى كشف آياته ما هذا لفظه (المشهور بين الفقهاء أن الفئ
له(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبعده للقائم مقامه، يفعل به ما يشاء كما هو ظاهر الآية الأولى، والثانية تدلّ
على انه يقسّم كالخمس، فاما ان يجعل هذا غير مطلق الفئ، فيئاً خاصاً، كان حكمه
هكذا، او منسوخاً، او يكون تفضّلا منه وكلام المفسرين ايضاً هنا لا يخلو من شى انتهى.
ويظهر من شيخ الطائفة فى التّبيان، أن الآيتين تنظران الى مال واحد هو الفئ يشير
الصّدر الى من بيده أمر هذالمال، والذيل الى من يستحق الصرف فيه، وان النبى(صلى الله عليه وآله وسلم)
ومن يقوم مقامه، يضعه فى المذكورين فى هذه الآية.
وقد استشكل فى الآية الثانية بأنها إن كانت مبيّنة لإجمال الأولى، فينا فيه ما هو
المسلّم نصّاً وفتوى من ان المأخوذ بلاخيل ولا ركاب، من الانفال، وهى بيد ولى الأمر
يضعها حيث مايشاء.
وان كانت مساوقة لآية الغنيمة وبيانها كقوله تعالى: واعلموا أنما غنمتم من شئ
فان لله خمسه وللرسول ولذى القربى الخ الواقعة فى سورة الأنفال، فلا توافق ما هو
المسلم ايضاً من ان الغنيمة تخمّس، وخمسها يقسّم الى أقسام ستّة وهى تدل على ان
الفئ كله يُقسّم الى أقسام ستة.
وقد أجاب سيدنا الاستاذ الخوئى(قدس سره) عن هذالاشكال : (بان موضوع الآية الاولى
هو ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب وهو راجع الى النبى الاكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) والآية
المباركة،ظاهرة فى ذلك، ومع التنزل عن ظهور الآية ودعوى سكوتها عن بيان المصرف،
فالرّوايات صريحة الدلالة على ذلك ولا خلاف فى المسألة.
وأمّا الآية الثانية فموضوعها ـ ما افاءالله على رسوله من اهل القرى، والمراد به ما
يؤخذ منهم بالقتال وبعد الغلبة عليهم ودخول قراهم بقرينة المقابلة مع الآية الأولى، ولم
يذكر فيها ان ما يرجع الى الرسول الاكرم(ص) اىّ مقدار ممّا غنمه المسلمون، الا أن آية
الغنيمة قد كشفت القناع عنه وبيّنت ان ما يغنمه المسلمون فخمسه يرجع اليه(ص) كما
وبيّن ايضاً مصرفه فى كلتا الآيتين، ولا يقدح تخصيصه(ص) بالذّكر مع انه احد الستة،
لكونه المحور والاصيل فى هذا لتسهيم كما لا يخفى، هذا.
وان صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر(عليه السلام) صريحة فى ان الآية الثانية ناظرة
الى الغنيمة، كما ان الاولى ناظرة الى الانفال،
قال(ع): (الفىء والانفال ما كان من ارض لم يكن فيها هراقة الدّماء وقوم صولحوا
واعطوا بايديهم، وما كان من أرض خربة او بطون أودية فهو كلّه من الفىء فهذالله
ولرسوله، فما كان لله فهو لرسوله يضعه حيث يشاء، وهو للإمام بعد الرّسول، وأمّا قوله:
(وما افاء الله على رسوله منهم فما او جفتم عليه من خيل ولا ركاب) قال: الاترى هو هذا،
وأما قوله: (ما أفاء الله على رسوله من اهل القرى) فهذا بمنزلة المغنمالخ(2)
ولاينافيه التعبير بالمنزلة المشعر بالمغايرة، لجواز كون التغاير من اجل اختلاف
المورد بعد الاشتراك فى الحكم نظراً الى ان الغالب فى الغنائم الاستيلاء عليها فى دار
الحرب وميدان القتال لا من اهل القرى، فاشير الى تنزيل احدى الغنيمتين منزلة
الاخرى). انتهى.
فيه أوّلا أنه لا دلالة للآية الثانية على أن الفىء اخذ بالقتال، ودعوى المقابلة بين
الآيتين لا شاهد عليها اصلا، بل الآية الآولى ناظرة الى ان الفىء المأخوذ من بنى نضير،
لم يكن بقدرة المجاهدين بايجاف الخيل والرّكاب بل كان بقدرة الله تعالى وهى بمنزلة
الصغرى.
والآية الثّانيه بمنزلة الكبرى وهى تشمل قرية بنى نضير وغيرها من القرى والفىء
المأخوذ منها يصرف فى الموارد المذكورة فى الآية الثانية.
وثانياً الآية الثانية كالصريح فى أن الفىء المنقول ـ كما هو الظاهر ـ كلّه يصرف فى
الموارد المذكورة فى الآية لا أن خمسه يصرف فيها، ويؤكّد ذلك التّعليل: (كى لا يكون
دولة بين الاغنياء منكم) فانه لا يناسب ان يكون علّة لتقسيم خمس الفىء لا جميعه فانّ
الثانى ان لم يصرف فى الموارد المذكورة، انسب بان يكون دولة بين الاغنياء لانّه خمسة
اخماس.
ومجرّد وحدة المصرف للفىء فى هذه الآية مع مصرف الخمس فى سورة الانفال
لا يكون قرينة على ان المراد من الفىء هو خمسه كما هو واضح.
وثالثاً أن ما استشهد به من صحيحة محمد بن مسلم لا يكون شاهداً على ما ادّعاه،
فان الفىء فيها نزل منزلة الغنيمة لا انّه نفسها وفى التنزيل يكفى الشباهة بوجه والفىء
يشبه المغنم فى ان توزيعه بيد ولى الامر مثله ولو كان الفىء هى الغنيمة لقال(ع) هذا هو
المغنم لا انه بمنزلته.
وامّا الجواب عن ذلك بان الغالب فى الغنائم الاستيلأ عليها فى دار الحرب وميدان
القتال لا من اهل القرى فاشير الى تنزيل احدى الغنيمتين منزلة الأخرى، فلا يمكن
المساعدة عليه، لأنّ الحرب اذا وقع فى القرى فهى دار الحرب وميدان القتال لانه قد يقع
فى خارج القرى وربما يقع فى نفسها فكل مكان وقع فيه فهو ميدان القتال ودار الحرب.
وأمّا ذيل الصّحيحة: (كان ابي يقول ذلك وليس لنا فيه غير سهمين: سهم الرسول
وسهم القربى، ثم نحن شركاء الناس فيما بقى.) فلا ينطبق على الفى ولا على الخمس لانّ
سهم الله وسهم الرسول وسهم ذى القربى يختص بالامام فى الموردين وسهام الاصناف
تكون ولايتها بيده (ع)، فالأولى أن يحمل على التقية كما يشعر به قوله: (كان ابي يقول
ذلك).
وممّا يوكّد ما ذكرنا من أنّ المنقسم فى الآية نفس الفىء لاخمسه صحيحة(3)
ريان بن الصلت التى ينقله الصّدوق فى المجالس السنية بسند صحيح عن الرضا(عليه السلام)
فانّه(ع) قسّم نفس الفىء الى الاقسام لا خُمسَه، كما يقول الاستاذ(قدس سره)وكلامه(ع) فيها
اشارة الى الآية المباركة وكذا صحيحة محمد بن مسلم ـ بناءً على توثيق ابن قولويه ـ
فانها تدل على ان الارض التى جلى اهلها نصفها لرسولله ولذى القرى والنصف الآخر
للناس والمراد منه اليتامى والمساكين وابن السبيل فهى تؤكد ظاهر الآية.
ومن ادلّة الانفال الروايات وهى كثيرة: منها صحيحة حفص بن البخترى عن ابى
عبدالله(ع)(4)
ومنها موثقة اسحاق بن عمار(3) ومنها معتبرة زرارة (4)
ومنها موثقة سماعة (5) ومنها صحيحة محمدبن مسلم (6)
وبالجملة الروايات الدالة على ذلك كثيرة جداً.