انما الكلام فى ان هذا القسم من الانفال هل يختص بالاراضى، او يعمّ غيرها
ايضاً؟
قيل: لعل المشهور بين الفقهاء هو الاختصاص بالاراضى حيث قيّدوا الموضوع
فى كلماتهم بها، وقال السيد الحكيم(قدس سره):(واطلاق بعضها ـ كالمصّحح ـ (اى صحيحة
حفص المتقدمة) وان كان يشمل الارض وغيرها لكّنه مقّيد بما هو مقيد بها، الوارد فى
مقام الحصر والتحديد فان وروده كذلك يستوجب ثبوت المفهوم له وهو النفى عن غير
الارض فيحمل المطلق فى الاثبات عليه). انتهى كلامه(قدس سره)
ونظره(قدس سره) مما ورد فى مقام الحصر الى رواية محمدبن مسلم(5)
وموثقة سماعة (2) ومعتبرة زرارة (3) وصحيحة محمدبن مسلم (4) ورواية
الحلبى(5) وغيرها.
ولكن الاظهر هو التعميم فان النصوص المشتملة على الاراضى وان كانت كثيرة
الاّ انها تحمل على المثال لا الحصر، وذلك للنصوص الأخرى الدالة على العموم منها
صحيحة معاوية بن وهب(6) فانها بعمومها تدل على ان كل ما غنمه المسلمون بلاقتال فهو
للامام(عليه السلام) فيعدّ من الانفال والقدر المتيقن منه هى الاموال المنقولة بحيث لا يمكن
اخراجها عن تحت العام فعليه تحمل الاراضى المذكورة فى النصوص على المثال فلا
تدل على الحصر.
نعم لو لم ترد هذه النصوص، لقلنا باختصاص الفىء والانفال بالاراضى، للروايات
الواردة فيها، فان اكثرها مشتملة عليها وبعضها ورد فى مقام الجواب عن السئوال الظاهر
فى الحصر.
ثم لا يخفى أن ما افاء الله على رسوله من غير قتال كما لا فرق فيه بين المنقول
وغير المنقول كذلك لا فرق فى الثانى بين الموات والمحياة فان كليهما داخل فى الانفال
كما هو مقتضى اطلاق صحيحة حفص المتقدمة.
وقال سيدنا الاستاذ الخوئى(قدس سره): (لا يخفى ان مقتضى المحافظة على العنوان
المأخوذ فى هذا لقسم من الانفال بحيث يعدّ قسما برأسه وبحياله واستقلاله، فى مقابل
القسم الآتى، تعميم الحكم لمطلق الارض التى يستولى عليها المسلمون بغير قتال، سواء
كانت من الموات أو المحياة كما يقتضيه ايضاً اطلاق كلماتهم، اذ لو كانت مختصة
بالموات لم يكن وجه حينئذ للتقييد بعدم القتال المأخوذ فى هذا العنوان، ضرورة ان
اراضى الميتة التى يستولى عليها المسلمون تعدّ من الانفال حتى اذا كان ذلك مع القتال
اذ الشرط فى الاراضى التى تكون ملكاً للمسلمين المأخوذة من الكفار بالقتال المعبّر
عنها بالاراضى الخراجية تارة وبا لمفتوحة عنوة اخرى ان تكون عامرة حال الفتح
والافهى من الانفال سواء كان الاستيلاء مع القتال او بدونه فالموضوع فى هذا القسم اعم
من كون الاراضى خربة مواتاً ام عامرة محياة حسبما عرفت.
نعم فى صحيحة حفص المتقدمة قيدت الارض بالخربة وظاهرها الاختصاص
لكن لا بد من رفع اليد عنه تحكيماً لعموم ـ كل غنيمة ـ الوارد فى صحيحة ابن وهب
المتقدمة) انتهى موضع الحاجة من كلامه زيد فى علوّ مقامه.
وفيه أوّلا ان قوله(ع) فى صحيحة حفص: (وكل ارض خربة وبطون الأودية) ليس
مربوطاً وتفسيراً لقوله(ع): مالم يوجف عليه بخيل ولاركاب بل هو موضوع مستقل
وداخل فى الانفال كما هو واضح، وهذه نظير موثقة محمدبن مسلم عن ابي
عبدالله(عليه السلام)(7) أنه سمعه يقول: إن الأنفال، ما كان من أرض لم يكن فيها هراقة دم او قوم
صولحوا واعطوا بأيديهم، وما كان من ارض خربة او بطون أو دية، فهذا كله من الفىء،
والانفال لله وللرسول، فما كان لله، فهو للرسول، يضعه حيث يحب.
وثانياً ان كلامه هنا من عموم صحيحة معاوية بن وهب للاراضى المحياة مناف لما
تقدم منه(قدس سره)فى صفحه 11 و 12 من المستند حيث قال هناك: (بل يمكن ان يقال بعدم
الاطلاق للآية المباركة بالاضافة الى غير المنقول فان الغنيمة هى الفائدة العائدة للغانم
بما هو غانم فعليه تختص بما يقسّم بين المقاتلين وهى الغنائم المنقولة وامّا الاراضى
المحكومة عليها بانها ملك لعامة المسلمين فلا تعدّ غنيمة للغانم والمقاتل).
فنقول: اذا لم تعدّ الأراضى غنيمة فكيف تشمل صحيحة معاوية الأرض المحياة
فى ما لم يوجف عليه بخيل ولاركاب حيث قال(ع) فيها: (كان كل ما غنمو اللامام يجعله
حيث احب).
ولكن الصّحيح هو ما عرفت من ان قوله(ع) فى صحيحة حفص: (الانفال ما لم
يوجف عليه بخيل ولاركاب) يشمل المنقول وغير المنقول ولا فرق فى الثانى بين الموات
والمحياة، وأمّا قوله(ع) فيها: (وكل ارض خربة) فهو موضوع مستقل هذا تمام الكلام فى
القسم الاول من الانفال.
والثانى منها الأرض الموات ذاتاً او عرضاً كما اذا كان لها المالك فتلف او انجلى
فعرضها الموتان، فان النصوص الكثيرة تدلّ على انها من الانفال.
منها صحيحة حفص بن البخترى المتقدمة(8) عن ابي عبدالله(عليه السلام) قال: الانفال ما لم
يوجف عليه بخيل ولاركاب، او قوم صالحوا او قوم اعطوا بأيديهم، وكل ارض خربة
وبطون الأودية، فهو لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو للامام من بعده، يضعه حيث يشاء. وهى
تشمل على عناوين خمسة:
1 ـ ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب.
2 ـ ارض الصلح.
3 ـ الارض التى سلّمها اهلها للمسلمين ابتداء.
4 ـ الارض الخربة.
5 ـ بطون الاودية.
ومنها موثقة سماعة بن مهران(9)
ومنها موثقة زرارة عن ابى عبدالله(عليه السلام)(3)
ومنها موثقة محمدبن مسلم عن ابي عبدالله(عليه السلام)(4)
ومنها موثقة اسحاق بن عمار عن ابي عبدالله(عليه السلام)(5)
الانفالاحياء الموات ولا يخفى ان النصوص الواردة هنا وان كانت كثيرة جداً الا انها لما لم تكن نقبة
السند لم نتعرضها وفيما اشرنا اليه من النصوص المعتبرة كفاية.
على ان المسألة مما تسالم عليها الاصحاب فلا شبهة فيها ولااشكال.
ثم ان الموات اذا احيى ها احد من المسلمين، فلا اشكال فى اختصاصها به ملكا،
او حقًا فلو عرض عليها الموت ثانياً وعرف المالك فهل هى باقية على ملكه وليست من
الانفال او زال ويكون من الانفال أو التفصيل بين ما اذا قام آخر باحيائها فيزول والاّ فلا
يزول، فهنا اقوال ثلاثة.
وذهب الشهيد الثانى وجماعة اخرى الى زوال الملكية بالموت لوجهين الأوّل
النصوص الدالة على ان (من أحى أرضاً مواتاً فهى له).
فمقتضى الاطلاق فيها عدم الفرق بين سبق ملكية احد وعدمه.
وقد يناقش فيه بانه تمسك بالعام فى الشبهة المصداقية فانّ الارض الموات التى
تملك بالاحياء انما هى اذا لم تكن ملكاً للغير والافالتصرف فيها حرام عقلا وشرعًا أمّا
حكم العقل فهو استقلاله بقبح التصرف فى مال الغير عدواناً وظلماً فلو كانت الملكية
للمحيى باقية يكون التصرف فيها قبيحاً فيكون حراماً.
وامّا الشرع فلحكمه بانه لا يحلّ مال امرء مسلم الا بطيب نفسه.
ويمكن أن يجاب عنها بانهاتتم اذا ثبت ان الموات تصلح ان تكون ملكاً لأحد فاذا
شك فى ذلك يكون التمسك بقوله(ع): (من احيى ارضاً مواتاً فهى له) لاثبات انها ملك
للمحى من التمسك بالعام فى الشبهة المصداقية.
ولكن الكلام فى اثبات ذلك وقد استدل عليه بوجهين الأوّل الاستصحاب فان
هذه الأرض كانت ملكاً للمالك حين حياتها وبعد زوالها يشك فى بقائه وعدمه
فيستصحب.
وفيه أوّلا ان الحياة بالنسبة الى الارض هى حيثية تقييدية فبحدوثها تحدث
الملكية وهى باقية مادامت الحياة باقية فاذا زالت زالت.
وبكلمة اخرى الحياة علة لحدوث الملكية فتبقى ببقائها وتزول بزوالها.
وثانياً لو اغمضنا عن ذلك وتنزلّنا فنقول: إن الحياة امرها دائر بين ان تكون حيثية
تعليلية اوتقييدية، فعلى الأولى الملكية باقية وعلى الثانية زائلة فعند الشك فى بقائها لا
مجال للاستصحاب للشك فى بقاء الموضوع.
وقد يقال: إنّ الظاهر بمقتضى الارتكاز القطعى لدى العرف ان موضوع الملك ذات
الارض والحياة وان كانت صفة طارئة عليها الا انها شرط خارجى وغير مقوم للموضوع،
وبعبارة أخرى ان مناسبة الحكم والموضوع هنا كانت بدرجة تقتضى أنها جهة تعليلية
محضة فلا يكون لها أىّ دخل فى موضوع الحكم اصلا.
والجواب عن ذلك، ان دعوى الارتكاز القطعى، لا شاهد عليها اصلا، فان اهل
العرف يرون ان الملكية اثر للحياة وفرعها فكيف تبقى بدونها.
ومناسبة الحكم والموضوع، تقتضى أن الحياة بالاضافة الى الملك جهة تقييدية
لا تعليلية فانه منتف بدونها، ويشهد لما ذكرنا أن الانسان لا يملك بالاحياء الاّ اثر
أعضائه وجوارحه المنطبع فى الارض ولهذا لايملك اعماق الارض المحياة لأنها ليست
متأثرة منها فاذا زال الاثر زالت الملكية المترتبة عليه.
والدّعوى المذكورة نظير أن يقال: إن العصمة اثر وفرع للكرّية ولكنّها لا تزول
بزوالها فتبقى العصمة وإن زالت الكرية.
ولو تنزلّنا عن ذلك ولم نقل أنها جهة تقييدية، فنقول: لا اقل من الشّك فى انها
حيثية تقييدية او تعليلية، فعند زوالها يشك فى بقاء الموضوع فلا مجال للاستصحاب
كما تقدم.
وثالثاً لو تنزلنا عن ذلك ايضاً فنقول: إن الشبهة حكمية ولا مجال لجريان
الاستصحاب فيها، فان استصحاب الملكية الثابتة فى زمان الحياة معارض باستصحاب
عدم جعلها بعد الحياة فيسقطان بالتعارض فاذاً نتمسك باطلاق قوله(ع):(من احيى ارضاً
ميتة فهى له) سواء كانت ملكا لاحد عند الحياة اولم تكن ولكن الذى يمكن أن يقال: إن
سيرة المتشرعة، قائمة على بقاء الارض الخربة على ملك مالكها، ولا يعاملون معها
معاملة المباحات الاولية الا اذا ثبت ان المالك اعرض عنها.
نعم فى فرض عدم الاعراض، فللحاكم ان يأمر المالك بالاحياء والاستثمار، فان
أبى عن ذلك، فله ان يسلمها لغيره للاحياء والاستثمار; وان لم يعرف المالك، فللحاكم
ذلك من الأوّل.
ثم ان بعض المعاصرين فصّل بين الملك والحق واجاب عن الشهيد الثانى(قدس سره)بانّ
ما ذكره يتمّ بناء على القول بكون الاحياء موجباً لعلاقة المحيى بالارض على مستوى
الحق واما ان قلنا بان اثر الاحياء هو حصول الملك فالارتكاز العرفى يقتضى أن الحياة
جهة تعليلية له فهو قائم برقبة الارض لا بحياتها فلا يزول بزوالها هذا بخلاف ما اذا قلنا انّ
اثر الحياة هو الحق فانها بالنسبة اليه جهة تقييدية فالحق يحدث بحدوثها ويزول بزوالها.
وفيه انه لعلّه يعدّ من الغرائب لأن الاحياء موجب لحصول العلاقة بين المحيى
والمحياة فان سمّيناها ملكاً، تكون الحياة جهة تعليلية وان سمّيناها حقاً، تكون جهة
تقييدية له وهذا لفرق، بلا فارق، فان الإحياء امر تكوينى له حيثية واحدة بالنسبة الى أثره
سواء سمّيناه ملكاً او حقاً فان كانت تعليلية فعلى التقديرين وان كانت تقييدية فكذلك.
الثانى صحيحة سليمابن خالد(10) قال: سألت اباعبدالله(عليه السلام) عن الرّجل يأتى
الأرض الخربة، فيستخرجها ويجرى انهارها ويعمرها ويزرعها ماذا عليه؟ قال: الصدقة
قلت: فان كان يعرف صاحبها، قال: فليؤدّ اليه حقه، ومثلها صحيحة الحلبى.
فانها تدلّ على بقاء الأرض مع الخراب على ملك صاحبها.
ولكنّ هذا الاستدلال لا يتم لأنها معارضة بصحيحتى معاوية بن وهب(2) وابي
خالد الكابلى(3) فانهما ظاهرتان فى انقطاع علاقة المالك الأول وحيث انهما معارضتان
بهما فلا يتم الاستدلال، للتساقط الاّ اذا امكن الجمع بنحو آخر كما يجىء.
ثم ان السيد الحكيم(قدس سره) قال: (ان صحيحتى سليمان والحلبى، لا يصلحان
لمعارضة الصحيحين الأوّلين: (الكابلى وابن وهب) لصراحة الاول منهما فى تملك
الثانى بالاحياء فى خصوص صورة تملك الأوّل بالاحياء فيمكن أن يجعل شاهداً للجمع
بين صحيح معاوية والصحيحين الاخيرين، بحمل الاول على الصورة المذكورة،
والأخيرين على التملك بغيره. مضافاً الى أن مورد السّؤال فى الصّحيحين الاولين:
صورة اعراض المالك الأوّل وتركه للارض، والاخيران خاليان عن ذلك، فيمكن
حملهما على صورة البناء على تعميرها.)
وفيه انّ الاحياء فى صحيحة الكابلى ذكر من باب المثال، والاّ فلو اشتراها ايضاً،
يكون الحكم كذلك، لان المالك الواقعى والحقيقى هو الامام(عليه السلام)، فلا فرق بين الشراء
والاحياء.
هذا مضافاً الى ان التملك فى الأراضى بأىّ نحو كان ينتهى الى الإحياء، لأنّ
اعطاء الامام(عليه السلام)، لها لشخص فى الغيبة الكبرى فى غاية البعد، فالسّبب الوحيد هو
الإحياء، فاذا باع المالك فقد باع المحياة مع الواسطة أو بلا واسطة.
نعم يمكن الجمع بين الصحاح بنحو آخر، وهو أن صحيحتى الكابلى وابن وهب
مشتملتان على الترك والإخراب، وهما ظاهرتان فى الاعراض ففى فرضه، تكون