مسجداً فى الموات فان الاحياء يكون للتبّرع لله حيث أن المسجد بيت لله وكذا اذا احياها
لبناء الحسينية فان احيائها تبرع للحسين(عليه السلام) والعائد الى المحيى هو الأجر والثواب وكذا
الكلام اذا كان الاحياء للمدرسة الدينية فان الاحياء تبرّع من المحيى الى المحصّلين
للعلوم الدّينية والعائد الى المحيى هو الاجر والثواب.
الثالث هل يجوز الاستيجار فى الاحياء ام لافنقول:
إن إحياء الارض الموات للمستأجر بعملية الأجير يمكن أن يقرّب بنحو ين
احدهما ثبوتى والاخر اثباتى.
التقريب الأول هو أن عقد الايجار و الإستيجار يوجب ان يكون المستأجر مالكاً
لعمل الاجير وهو احياء الارض فاذا كان مالكا للاحياء فهو مالك للارض المحياة قهراً
لعدم امكان التفكيك بين الامرين بل يمكن أن يقال: إنّ عمل الأجير اذا اسند الى الفاعل
يسمّى احياءً واذا اسند الى القابل وهى الارض يسمّى حياة نظيرالايجاد والوجود فانهما
امر واحد اذا اسند الى الفاعل يسمى ايجاداً واذا اسند الى القابل يسمى وجوداً وموجوداً.
وكيفما كان فان المستأجر بعقد الايجار يملك عملية الاحياء الصادرة من الاجير
الانفالهل يجوز الاستيجار فى الاحياء ام لا؟وهو يستتبع مالكية ارض المحياة قهراً، وهذا التقريب انما هو فى مقام الثبوت.
التقريب الثانى ان المستأجر بما أنه مالك لعملية الإحياء فى ذمة الاجير فيصح
اسناد تلك العملية اليه حقيقة وعلى هذا فتملّك المستأجر الارض المحياة انما هو
بوصف كونه قائماً باحيائها فيشمله قوله(ع) (من احيى ارضاً مواتا فهى له) فيكون نفس
المستأجر محييًا للارض، وهذا لتقريب انما هو فى مقام الاثبات.
وقد يستشكل عليه بان ملكية المستأجر لعملية الاحياء لا تحقق صحة اسنادها
اليه حقيقة اسناد الفعل الى الفاعل، ليكون المستأجر مشمولا لعمومات ادلة الاحياء وانما
تحقق صحة اسنادها اليه اسناد الملك الى المالك، فالاضافة فى المقام اضافة الملكية لا
اضافة الفعلية، ومن الواضح ان اضافة الملكية لا تؤثّر فى علاقة المستأجر بالمحياة فان
المؤثر فيها انما هو الاضافة الفعلية وهى مفقودة فى المقام، ضرورة انه لا يصدق فى المقام
عرفا على المستأجر انه قائم بعملية الاحياء من جهة قيام اجيره بها.
وفيه ان الصدق العرفى لا يكون قابلا للانكار ان فعل المحيي للاحيأ قد يكون بلا
واسطة كما اذا باشره بنفسه وقد يكون مع الواسطة كما اذا كان الاحياء بواسطة الأجير،
الاترى انه لو اراد من له امكان مالى باحياء قطعة كبيرة من ارض الموات فيستخدم فى كل
يوم خمسين اجيراً فاحيى ها فى شهر واحد فاذا سئل عن المحيى لها يجاب بان المحيى
ذلك الفرد المستأجر، لا انه هو الاجراء الذين يصل عددهم الى الف وخمسة مأة نفر فلا
يكذب المجيب عند العرف اذا اسند الاحياء الى صاحب العمل لا العمال، بل لو اسنده
اليهم، لا يصدّق عند العرف.
وهكذا الكلام لو عمّر فيها قصراً فان فعل الاعمار يستند الى المستأجر جزماً
واسناده الى العمال يكون مورداً للسخرية والاستهزاء.
الاترى أنه لو عمّر التاجر الخيّر مسجداً فى الارض الموات بواسطة العمال تشمله
الآية المباركة (انما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر) فإحياء الأرض واعمار
المسجد فيها يستند اليه عند العرف والعقلأ ولايستند الى العمال والاجراء والمصداق
للآية المباركة هو التاجر فقط، ولا سيما اذا كان فى العمال من لا يكون مسلماً وكان
يهودياً او نصرانياً او كان كلهم غير مسلم فان مقتضى عقد الايجار صحة هذه الاجارة
فعليه لا يكون العامر والمحيى للارض الاالمستأجر فيصح ان يقال انه احيى هذه الارض
وصيّرها مسجداً فتشمله العمومات: (من احيى ارضاً ميتة فهى له)
الرابع هل يشترط فى الاحياء ان لا تكون الارض الميتة حريما لعامر من بلد او
قرية او بستان او مزرعة او قنات او بئر او عين او نهر ونحو ذلك.
قال فى الجواهر (فى مقام اعتبار هذا لشرط) (بلا خلاف اجده فيه كما اعترف به
غير واحد بل فى التذكرة: لا نعلم خلافاً بين علماء الامصار ان كل ما يتعلق بمصالح
العامر كالطريق والشرب وسيل ماء العامر ومطرح قمامته وملقى ترابه وآلاته او لمصالح
القرية كقناتها ومرعى ماشيتها ومحتطبها ومسيل مياهها لايصح لاحد احيائه ولا يملك
بالاحياء وكذا حريم الآبار والانهار والحائط وكل مملوك لا يجوز احياء ما يتعلق
بمصالحه لمفهوم المرسل المزبور (: من احيى ميتة فى غير حق مسلم فهى له(51)) ولانه لو
جاز احيائه ابطل الملك فى العامر على اهله وهذا مما لا خلاف فيه) وعن المحقق فى
جامع المقاصد الاجماع عليه وكيفما كان فقد استدل على عدم جواز احياء الحريم
بوجوه:
احدها الاجماع الذى ادعاه فى جامع المقاصد.
الثانى قاعدة الضرر فانه(ص) قال: لاضرر ولاضرار فى الاسلام.
الثالث مرسل البيهقى المزبور.
الرابع صحيحة احمد بن عبدالله (اومحمدبن عبدالله) قال: سألت الرّضا(عليه السلام) عن
الرجل تكون له الضيعة وتكون لها حدود تبلغ حدودها عشرين ميلا او اقل او اكثريأتيه
الرجل فيقول: اعطينى من مراعى ضيعتك واعطيك كذا وكذا درهماً، فقال ان كانت
الانفالشرايط الاحياءالضيعة له فلا بأس(52)
الخامس خبر ادريس بن يزيد او زيد عن ابي الحسن(عليه السلام) قال: سألت وقلت:
جعلت فداك ان لناضياعاً ولنا حدود ولنا الدواب وفيها مراعى وللرجل مناغنم وابل
ويحتاج الى تلك المراعى لا بله وغنمه ايحل له ان يحمى المراعى لحاجته اليها؟
فقال(ع): اذا كانت الارض ارضه فله ان يحمى ويصير ذلك الى مايحتاج اليه،
قال: وقلت له: الرجل يبيع المراعى؟ فقال: اذا كانت الارض ارضه فلا بأس(53)
وعن جماعة من الاصحاب منهم صاحب المسالك ان الحريم ملك كا لاصل بل
فى المسالك انه الاشهر.
قال فى الجواهر: ربما كان ظاهرهما الملكية (اى ظاهر الروايتين) وعلّل ذلك بأنه
مكان استحقّه بالاحياء فملك كالمحيى، ولان معنى الملك موجود فيه لدخوله مع
المعمور فى بيعه، ولان الشفعة تثبت فى الدار بالشركة فى الطريق المشترك المصرح فى
النصوص المزبورة ببيعه معها(54)
والجواب امّا عن الاجماع اولا انه منقول ولا حجية فيه وثانياً ان مدركه احد
الوجوه الآتية.
وامّا مرسل البيهقى فلا رساله لا يعتمد عليه،
واما قاعدة الضرر فلا بأس فى الاستدلال بها فان التصرف فى الحريم من الغير ان
كان موجباً لتضرّر صاحب الملك فلا يجوز.
وأمّا صحيحة محمدبن عبدالله المؤيدة برواية ادريس فقد استظهر فى الجواهر
منهما ان الحريم ملك كذى الحريم كما عن جماعة من الاصحاب.
وفيه انها لا تدل على ذلك بل تدل على ان المراعى كانت فى الضيعة المملوكة لا
فى حريمها.
ولو تنزلنا عن ذلك فنقول انهما مجملتان ولا ظهور لهما فى كون المراعى فى
الحريم لا فى نفس الضيعة.
واما التعليل فلا يدل على الملكية فان المحيى للارض يستحق الانتفاع بالمحياة
فلا يجوز مزاحمته فيه واما استحقاقه للحريم زايداً على ذلك فلا دليل عليه اصلا.
ومنه يظهر الجواب عن التعليل الثانى فان الحريم لا يكون داخلا فى المبيع بل
للمشترى حق الانتفاع من المبيع ولا يجوز مزاحمته فيه ولا جل ذلك يذكر فى السند
حدود المبيع لا حدود الحريم فلوكان داخلا فى المبيع لا بد من ذكر حدوده فى السند.
واما الاستدلال بنصوص الشفعة ففيه اولا ان الطريق كالدار محياة فأنّ احياء كل
شيىء بحسبه فاذاً كانت المحياة ملكاً للشركاء، وهو لايستلزم ملكية غير المحياة من
الحريم.
وثانياً انها تدل على ثبوت الشفعة بين الشركاء مع انه قد ثبت فى باب الشفعة انه لا
شفعة الاّ بين الشريكين فاذا كانت الشركة بين اكثر من شريكين انتفت الشفعة.
ثم ان صاحب الجواهر استظهر من السيرة المستمرة جواز التنازل فى الحريم لغير
اهل البلد والقرية وعدم الاعتراض على النازل فى مرعى الماشية ومحطبهم وان استلزم
بعد بعض الحقوق والاّ لكان بين كل واحد وجماعة مسافة بعيدة.
وفيه انه لا ملازمة بين كون الدور فى القرى والبلدان متلاصقة وجواز النزول فى
الحريم لانه يمكن الجمع بين عدم جواز النزول فى الحريم، وكون الدور فى القرى
والبلدان، متلاصقة.
فان ذلك يمكن تصويره بانحاء احدها أن من احيى داراً فى الموات حيث كان
بحاجة شديدة الى الجار دعا غيره باعمار الدار متلا صقة بداره او دعى جماعة الى اعمار
الدّور فى جواره متلاصقة دفعًا للسراق والمحاربين.
الثانى انه يمكن ان جماعة من المسلمين كانوا احيو الارض مشتركين للزراعة ثم
قسموا الارض وبنوا على اعمار كل واحد منهم داراً فى ملكه، فلا يبقى لكل دار، حريم
فى اطرافها.
الثالث ان يبنى ولى الامر، او الدولة، مدينة للمستضعفين، فاسكنهم فيها كما هو
المتعارف فى هذا العصر، فان الحريم لا يبقى لكل دار على حده.
الرابع ان يحيى شخص واحد ساحة كبيرة من الارض او تملكها با لارث فباعها
للناس لاعمار الدور والمساكن.
ثم لا يخفى أن حريم كل شىء بحسبه فالطريق حدّه خمس اذ رع لموثقة البقباق
عن ابي عبدالله(عليه السلام)(55) وهذا لقول اختاره المحقق والعلامة والفخر نا سباله الى كثير،
واختاره فى المسالك ايضاً وايّده بأصالة البرائة يعنى لو شك فى انه هل يجوز له احياء
مازاد من الخمس او يمنع عنه الى سبع اذرع فاالأصل هى البرائة.
وعن جماعة أخرى من الأصحاب إن حدّ الطّريق هى سبع أذرع وذلك لمعتبرة
السكونى عن ابي عبدالله(عليه السلام)(56)
ويمكن الجمع بينهما بان مادلّ على خمس اذرع يحمل على ما اذا لم يكن الطريق
طريقا للقوافل، ومادل على السبع، يحمل على ما اذا كان طريقا لها، فان الحمل على
التعبّد فى مثل المقام لا يمكن ولا سيما فى العصر الحاضر فان سبع اذرع ايضاً لا يكفى
لعبور السيّارات.
وفى موثقة اخرى عن ابي العباس البقباق عن ابي عبدالله(عليه السلام)قال: قلت له:
الطريق الواسع هل يؤخذ منه شىء اذا لم يضر بالطريق؟ قال لا.(57)
والمستفاد من هذه الموثقة هو ان الطريق العام الذى كان معبراً للنّاس اذا كان ازيد
من سبع لا يجوز احياء الزائد عنه وان لم يضرّ بالمارة وذلك لأنّ الطريق كان معبراً
للعموم فهو متعلق لحقهم فلا يجوز احياء جزء منه.
وهذا بخلاف ما اذا أو جدوا لطريق ابتداءً فاذا لم يكن معبراً للقوافل يكفى فيه
خمس اذرع وان كان معبراً لها فلابدّ من سبع.
فبملاحظة النصوص وما هو الواقع الخارجى، لا بد من ان يقسم الطريق الى اقسام:
احدها ان يكون الطّريق معبراً عاماً للسّابق فما جرى عليه العبور والمرور فهو
طريق مشروع لا يجوز تغييره واحياء بعضه بلا فرق بين ان يكون اربع اذرع او ثلاث او
خمس او سبع او ازيد منه.
ثانيها ان قوماً ارادوا لا ستطراقهم احياء طريق فتشا حّوا فيه بين اربع اذرع
وخمس وسبع فهنا يكتفى بخمس بشرط ان لا يكون معبراً للقوافل والجمال مع الحمولة.
ثالثها ان يكون الطّريق يعدّ لعبور القوافل فاذا تنازعوا فيه فلا بد من جعله سبع
اذرع وان كان فى القوم الّذين تشاحوا من لم يكن له بعير وجمال ولكن الاخر كان له
ذلك فهنا لا بد من اختيار السبع.
رابعها ما اذا تشا حوا فى عرضه لعبور السّيارات فهنا لا يكفى سبع اذرع بل لا بد
من ان يكون عرضه عشرة أمتار أو اكثر وذلك لعبور السيارات الكبار كما اذا جائت
سيارة من الأمام وأخرى من خلف، فلا بد من ان يكون عرض الطريق بمقدار، لا يقع
الاستكاك بينهما.
وهل يجوز تغيير الطريق بان يجعله داراً او مزرعة او بستاناً ام لا؟ لا شك فى
حرمة ذلك لانّه متعلق حق العموم وكذا لا يجوز تضييقه ايضاً لعين الملاك وان لم يزاحم
الانفاللا يجوز احياء الحريمالعابرين.
ويستثنى من ذلك ما اذا أوجد طريقا أحسن من الاول بحيث كان الاستطراق منه
وهجر الاوّل فانه بعد هجره لا مانع من احيائه.
ثم الكلام يقع فى أمور: أحدها حريم الشرب وهو النهر والقناة والعين الجارية على
الارض مثلا، فحريمه بمقدار مطرح ترابه والمجاز على حافتيه للانتفاع به ولا صلاحه
على قدر ما يحتاج اليه عادةً وهذا مما لاخلاف فيه وتشتمل عليه مرفوعة ابراهيم بن
هاشم: قال: حريم النهر حافتاه ومايليهما(58)
وحيث انه امر على القاعدة فلا يضرّها الارسال.
ثانيها حريم بئر المعطن بكسر الطأ التى يستقى منها لشرب الابل وهو اربعون
ذراعاً وتدل عليه معتبرة السكونى عن ابي عبدالله(عليه السلام)(2)
وامّا صحيحة حماد بن عثمان(3) وان لم يكن فيها قيد المعطن الا انها قابلة للتقييد